حين تفتح المقاهي أبوابها للثقافة، فهي لا تفعل ذلك كفعل عابر أو نشاط مناسباتي، بل بوصفه ممارسة للذاكرة وتجديدًا للانتماء. هنا، حيث للمكان إيقاعه الخاص، وللإنسان حكاياته المؤجلة، يُصغي الفضاء لنبض الثقافة، وتغدو الكلمة جسراً بين الجغرافيا والوجدان، وبين اليومي والرمزي.

في هذا الامتداد الحميمي بين المقهى والإنسان، يتشكل الإبداع لا كترف عابر، بل كضرورة ثقافية، وكفعل وعي جماعي يتجاوز اللحظة ليحاور الزمن ويعيد مساءلة المعنى. ومن هذا الأفق، جاء افتتاح المقهى الثقافي سيني كافي بالدار البيضاء، بتنسيق مع شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب، لا باعتباره حدثًا يُضاف إلى روزنامة الأنشطة، بل كمحطة ثقافية مكتملة الأبعاد، تؤكد مرة أخرى عمق انخراطه في مشروع ثقافي وطني متواصل.
وشهدت فعاليات هذا الافتتاح، المنظم يوم الأحد 25 يناير 2026، تحت شعار «دور الثقافة في الرقي بالانتماء الوطني»، حركية ثقافية نوعية، جمعت بين الإبداع والاحتفاء بالفنان، في توازن واعٍ بين المتعة والفكر، وبين الجمالية والمسؤولية الثقافية.
مقهى ثقافي راهن على المستقبل، وفتح فضاءه لمختلف التعبيرات الفنية والأدبية، من خلال لقاء مفتوح مع الفنان المتميز ربيع القاطي، إلى جانب نخبة وازنة من الفاعلين الثقافيين، الذين عبّروا في تفاعلاتهم عن قناعة راسخة مفادها أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الثقافة، ومن بناء الذائقة الفنية وترسيخ قيم الجمال.
كما شكّل المقهى فضاءً للاحتفاء والتقدير، في تقليد دأبت عليه شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب مع شركائها، عبر تقديم شهادات تقديرية وتذكارات رمزية، تؤرخ لهذه اللحظة الثقافية الباذخة، وتعترف بمستحقيها.
وقد مثّلت هذه التظاهرة إضافة نوعية لمسار الشبكة، مؤكدة أن الدار البيضاء تشكل ركيزة أساسية في خريطتها الثقافية، وأن العرض الثقافي يزداد عمقًا حين يُجاوره تنظيم محكم ورؤية واضحة. وهو ما جسّده العمل الجاد الذي أشرف عليه الفنان محمد أمين خزار، رئيس جمعية سيني كافي للثقافة والفنون، إلى جانب الفاعل الثقافي نورالدين أقشاني، رئيس شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب، رفقة طاقمهما، بروح من المسؤولية والحب والمعرفة.
وعلى المستوى الفني، عرفت هذه الدورة فقرات موسيقية راقية، كان من أبرزها عزف الفنان الناياتي عبدالغني خدير بمرافقة الأوركانيست أنس العلام، إلى جانب وصلات على آلة العود أبدع فيها الفنان مراد زكاني، مقدّمين لحظات فنية عالية الذوق، أكدت أن الموسيقى الصادقة تُصغي لها القلوب قبل الآذان.
كما تميز الافتتاح بتنشيط راقٍ وقّعه الفاعل الجمعوي الأستاذ عبدالرحمان العبدلاوي، بحضور هادئ ولغة متزنة، انسجمت مع روح المكان، وساهمت في خلق أجواء يسودها التشارك والاحتفاء الجماعي، واختزلت المعنى العميق لهذا العرس الثقافي.
لقد كان افتتاح المقهى الثقافي سيني كافي بالدار البيضاء رسالة واضحة مفادها أن شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب باقية وتتمدد، قلبًا نابضًا بالفعل الثقافي، وأن الثقافة هنا ليست ترفًا، بل فعل انتماء، ورهان وعي، وشهادة حية على قدرة العمل الثقافي، حين يُدار بحب ورؤية، على صناعة الأثر بهدوء، وعمق، ورقي.














