في قاعة بمدينة تارودانت، وبين تصفيقات حارة وملامح امتنان عميقة، عادت الفنانة المغربية سعاد صابر إلى الأضواء بعد سنوات من الغياب، في حفل تكريمي مؤثر أعاد تسليط الضوء على مسيرة فنية استثنائية شكّلت جزءًا من ذاكرة الأجيال في المغرب.
ينحدر اسم سعاد صابر من الحي المحمدي بالدار البيضاء، حيث وُلدت سنة 1950. برزت موهبتها منذ طفولتها، حين اعتلت خشبة المسرح لأول مرة وهي في السابعة من عمرها. رغم القيود الاجتماعية والصعوبات التي واجهت المرأة في الوسط الفني آنذاك، اختارت أن تسير بثقة في هذا الدرب، مدعومة بزوج آمن بموهبتها وساندها في خطواتها الأولى.
طوال عقود من الزمن، كانت سعاد صابر وجهًا مألوفًا في السينما والتلفزيون والمسرح، تميزت بأدوار تجمع بين الصرامة والعاطفة، مجسدة شخصية “الأم المغربية” بمختلف ملامحها؛ القوة، الكرامة، الحنان، والتضحية. وقدرتها على تجسيد الواقع الاجتماعي بأسلوب صادق جعلتها واحدة من أكثر الوجوه احترامًا وتقديرًا في الساحة الفنية.
رصيدها الفني يضم أعمالًا بارزة في السينما مثل الورطة (1984)، الواد (1998)، فطومة، الغرفة السوداء، أصدقاء من كندا (2004)، معطف أبي (2005)، البرتقالة المرة (2006)، رحيمو، الوريث (2007)، هادي والتوبة (2010)، مرفأ الحب والغضب (2013)، حفيد الحاج (2015)، عام في الغربة (2020)، إضافة إلى صدفة الخاتم (1997).
أما على الشاشة الصغيرة، فقد شاركت في عدد من المسلسلات والسيتكومات التي شكّلت جزءًا من الإنتاج التلفزيوني المغربي، من بينها ستة من ستين (1985)، خمسة وخميس (1988)، ذئاب في الدائرة (1997)، ظلال الماضي (1992)، المصابون (1999)، ألف لام (2000–2004)، خلخال الباتول (2002)، خالي عمارة (2006)، مداولة (2013)، وتبدال المنازل (2014). كما بصمت حضورها المسرحي من خلال أعمال مثل مسرحية حلوف كرموس (1995).
لكن وراء هذه المسيرة الغنية، اختارت سعاد صابر التواري عن الساحة في السنوات الأخيرة، بعد أن أعلنت في وقت سابق اعتزالها بشكل صريح. في فيديو مؤثر، تحدّثت بحرقة عن واقع الفنان المغربي في مرحلة التقدم في السن، وعن الإقصاء والتهميش الذي يطال رواد الفن رغم ما قدموه من إسهامات.
وقد كشفت صابر أن تدهور حالتها الصحية كان العامل الرئيسي وراء ابتعادها، مشيرة إلى أنها فضّلت الاعتزال بصمت حفاظًا على كرامتها، رافضة أن تكون عبئًا على أحد أو أن تظهر بصورة لا تليق بمسيرتها.
الظهور الأخير في تارودانت أعاد إلى الواجهة قضية غياب ثقافة الاعتراف بالفنانين الرواد، وهو ما أثار تعاطفًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي. عبّر نشطاء ومتابعون عن حزنهم لما تعيشه هذه القامات، مؤكدين أن سعاد صابر تمثل شريحة واسعة من الفنانين الذين أسهموا في بناء المشهد الثقافي المغربي ثم وجدوا أنفسهم في عزلة غير مستحقة.
تكريم سعاد صابر لم يكن مجرد احتفاء رمزي، بل تذكير بضرورة الحفاظ على ذاكرة فنية جماعية، والاعتراف بأسماء ساهمت في رسم ملامح الفن المغربي، كلٌ من موقعه، وبطريقته الخاصة.
اليوم، تُعد سعاد صابر أكثر من مجرد ممثلة. هي صوت جيل، ومرآة مرحلة، واسم رسّخ حضوره في الوجدان المغربي، ليس فقط من خلال أدوارها، بل أيضًا بصدقها، تواضعها، ووفائها لفنها.














