في لحظة سياسية وإعلامية متوترة، تبرز خرجة عبد الله البقالي كفعل نادر يعيد تعريف معنى المسؤولية الأخلاقية داخل قطاع يعيش منذ سنوات على وقع الاستهداف والتشويه.
ليست مجرد تصريح عابر، بل موقف محسوب وواعٍ بثقله، يستعيد تقاليد قديمة في الشجاعة السياسية، مثل تلك التي بصم بها الراحل مولاي امحمد بوستة مسار الحياة العامة عندما قال “لا” للراحل الحسن الثاني، رافضاً أن يقود أول حكومة تناوب بوزراء السيادة وعلى رأسهم إدريس البصري. استدعاء هذا المثال ليس من باب الحنين، بل من باب الإشارة إلى أن الشجاعة ليست صدفة، بل مسار ومبدأ.
موقف البقالي يأتي اليوم في الزمن السياسي المناسب، حين تكاثرت الأصوات التي تتغذى على التشويش والتضليل، وحين أصبح استهداف الصحافة المستقلة قاعدة لا استثناء. في هذا المناخ، خرج الرجل ليقدّم رواية مضادة، صريحة وغير مناورِة، معترفاً بأن الصحافي حميد المهداوي كان مستهدفاً، وبأن استهدافه لم يكن عادياً ولا بريئاً، وبأن رائحة المؤامرة واضحة في ملفه، خصوصاً في ما يتعلق بالتسريب الذي توصل به.
هذه الكلمات لا تُقرأ فقط كدفاع عن مهني، بل كدفاع عن معنى الصحافة نفسها: قدرتها على مقاومة السلطوية، على قول ما يُخشى قوله، وعلى فتح النقاش حيث يراد له أن يُغلق.
لذلك أثارت خرجة البقالي ارتياحاً في أوساط واسعة من الصحافيين الذين ينتظرون دائماً أن يتقدم أحدهم ليكسر الصمت، وليعيد التذكير بأن المهنة ليست وظيفة تقنية، بل التزاماً أخلاقياً وعمومياً.
لقد بدا البقالي، في لحظته تلك، الرجلَ الذي كان مطلوباً أن يتكلم. قال كل شيء تقريباً، من دون لفّ ولا تدوير، ووضع النقاط على الحروف في ملف ظلّ محمّلاً بالالتباسات والتأويلات.
وحين يأتي هذا الكلام من شخصية تُعدّ مرجعاً في تاريخ العمل النقابي الصحافي، فإن له وزناً خاصاً، ليس فقط لأنه يكشف، بل لأنه يحرّك المياه الراكدة ويحرج كل الذين كان لهم الصمت خيارا مريحا.
بهذا المعنى، ليست خرجة البقالي عملاً فردياً معزولاً، بل لحظة تذكير بأن الصحافة ما تزال قادرة على إنتاج مواقف نوعية، وأن النبل والشجاعة المهنية ليسا من مخلفات الماضي.
إنها أيضاً رسالة سياسية مبطنة: لا يمكن بناء مشهد إعلامي حديث في ظل الاستهداف الممنهج للصحافيين، ولا يمكن للثقة العامة أن تستعاد دون مواجهة الروايات الرسمية المسنودة بالترهيب أو التضليل.
إن ما قاله البقالي يفتح الباب أمام نقاش أعمق حول وضع حرية الصحافة، وحول مسؤولية الفاعلين والمؤسسات في حماية المهنة من الانحرافات.
وهو نقاش لا بد منه، لأنه يتجاوز حالة المهداوي ليطرح سؤالاً أكبر: أي موقع نريده للصحافة في المغرب؟ وأي ثمن نحن مستعدون لدفعه لكي تبقى الصحافة سلطة مضادة، لا ملحقاً للسلطة؟
في النهاية، ما فعله البقالي ليس مجرد تصريح، بل فعل مقاومة ناعمة، يذكّر بأن كلمة واحدة يمكن أن تفضح مؤامرة، وأن موقفاً واحداً يمكن أن يغيّر مزاجاً عاماً، وأن الشجاعة ما تزال ممكنة.














