بينما تتسارع وتيرة الزيادات في الحد الأدنى للأجور بإسبانيا، معلنة دخول سنة 2026 بسميك يبلغ 1.221 يورو موزعًا على 14 شهرًا، يطفو على السطح سؤال جوهري يتجاوز الأرقام: أي نموذج اجتماعي-اقتصادي نريد؟
وأي كلفة نحن مستعدون لتحملها مقابل تحسين عيش الفئات الشغيلة؟ التجربة الإسبانية، التي قادتها الحكومات المتعاقبة منذ 2018 بقيادة Pedro Sánchez، تكشف عن خيار سياسي واضح: جعل الأجر الأدنى أداة لإعادة التوازن الاجتماعي، حتى وإن كان ذلك على حساب توترٍ مع أرباب العمل ومخاوف معلنة بشأن تنافسية المقاولات الصغرى والمتوسطة.
في أقل من عقدين، انتقل السميك الإسباني من حوالي 700 يورو سنة 2008 إلى ما يفوق 1.200 يورو اليوم، أي بزيادة تناهز 90%، ليبلغ قرابة 60% من الأجر المتوسط، وهو السقف الذي تعتبره المعايير الأوروبية حدًا أدنى للعدالة الأجرية.
هذه القفزة لم تكن تقنية ولا محاسباتية فقط، بل سياسية بامتياز، تعكس إرادة في تحصين الطبقة العاملة من تآكل القدرة الشرائية، وربط الاستقرار الاجتماعي بكرامة الأجر، ولو بثمن اقتصادي قصير المدى.
في المقابل، يبدو المشهد مختلفًا في المغرب، حيث لا يزال السميك يدور في حدود 3.000 درهم شهريًا في قطاعات الصناعة والخدمات، وبنسبة لا تتجاوز ثلث الأجر المتوسط تقريبًا.
ورغم الزيادات المتفرقة الناتجة عن جولات الحوار الاجتماعي، فإن المقاربة المغربية ظلت حذِرة، توازن بين مطلب تحسين الدخل ومخاوف هشاشة النسيج المقاولاتي، خاصة في ظل اقتصاد غير مهيكل واسع، وضعف الإنتاجية، وارتفاع معدلات البطالة، خصوصًا في صفوف الشباب.
غير أن هذا الحذر، وإن كان مفهومًا اقتصاديًا، يطرح إشكالًا اجتماعيًا متناميًا.
فالسميك في المغرب لم يعد يشكل شبكة أمان حقيقية أمام غلاء المعيشة، بل أصبح في كثير من الحالات مجرد حد أدنى للبقاء، لا للعيش الكريم.
وهنا يبرز الفارق الجوهري بين التجربتين: إسبانيا تعاملت مع السميك كرافعة اجتماعية واستثمار في الاستقرار، بينما ما زال يُنظر إليه في المغرب ككلفة يجب ضبطها لا كأداة لإعادة توزيع الثروة.
الجدل الذي تثيره الزيادات الإسبانية، ورفض المنظمات patronales لها، يذكّر بأن رفع الأجور ليس قرارًا بلا تبعات، لكنه في الآن ذاته يثبت أن السياسات الاجتماعية الجريئة يمكن أن تصبح واقعًا حين تتوفر الإرادة السياسية ورؤية طويلة المدى.
أما في المغرب، فإن استمرار الهوة بين الأجور وتكاليف الحياة قد يحوّل السميك من أداة حماية اجتماعية إلى عنوان صامت للاختلالات البنيوية.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالمقارنة الرقمية بين بلدين مختلفين في البنية الاقتصادية، بقدر ما يتعلق بسؤال الخيارات: هل يُنظر إلى الأجر الأدنى باعتباره عبئًا على الاقتصاد، أم استثمارًا في الإنسان؟ الجواب عن هذا السؤال هو ما يرسم، في العمق، ملامح العقد الاجتماعي لكل دولة.















