تحوّل لقب «مولات المظلّة» من تفصيل عابر التقطته عدسة كاميرا إلى علامة كثيفة الدلالة في النقاش العمومي حول وضعية حقوق الإنسان بالمغرب. ليس لأن المظلّة فعلٌ شاذّ في ذاته،
بل لأن الصورة جاءت محمولة على سياق سياسي ورمزي مثقل، جعل من المشهد اختزالًا بصريًا لعلاقة ملتبسة بين المؤسسة الحقوقية الرسمية والشارع الذي يُفترض أن تحميه.
حين تظهر رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان محاطة ببروتوكول حماية فردي، فيما تُترك قضايا الانتهاكات، والاحتجاجات، والهشاشة الحقوقية تحت مطر الأسئلة الثقيلة، تتحول المظلّة من أداة وقاية إلى رمز لمسافة، ومن تفصيل إنساني إلى استعارة سلطة.

وفق مبادئ باريس، تُقاس شرعية المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان بمدى استقلالها، وقربها من المواطن، وجرأتها في تسمية الأشياء بأسمائها، وقدرتها على الوقوف في وجه السلطة التنفيذية حين تقتضي الضرورة.
الصورة، في هذا السياق، لا تُدان بوصفها حدثًا شخصيًا، بل تُقرأ كإشارة إلى منطقٍ مؤسسي يميل إلى التدبير البروتوكولي أكثر من الانخراط الصدامي المشروع دفاعًا عن الحقوق.
هنا تتأسس الحسرة: مؤسسة وُجدت لتكون «مظلّة» للضحايا، تبدو وكأنها تطلب المظلّة لنفسها.
تتضاعف الدلالة حين يُستحضر الإرث الرمزي لعبارة «مول المظلّة» كما استعملها الراحل خالد الجامعي في وصفه للملك، لا سخرية ولا انتقاصًا، بل استعارة للتحكيم والحماية الجماعية وضمان التوازن.
كان المعنى تصاعديًا: مظلّة تحمي المجال العام وتؤوي التعدد وتمنع الانفجار.
اليوم، يُستعاد اللفظ في سياق مقلوب، حيث تنزاح المظلّة من حماية المجتمع إلى حماية المسؤول، ومن رمز السيادة الجامعة إلى علامة الامتياز الفردي.
هذا الانزياح ليس لغويًا فحسب، بل سياسي وأخلاقي، ويكشف تآكلًا في الحسّ الرمزي لدى الفاعلين.
ولا يقف الأمر عند صورة واحدة. حين يُشبَّه رئيس حكومة بالملك في خطاب حزبي، وحين تُستعمل لغة فظة في الإحالة على المؤسسة الملكية، وحين تتلبّس مؤسسة حقوقية بمنطق السلطة، تتقاطع الوقائع لتكشف اختلالًا في الحدود بين ما هو تحكيمي وما هو تنفيذي، وبين ما هو روحي جامع وما هو سياسي عابر. الخطر هنا ليس اعتداءً قانونيًا مباشرًا على إمارة المؤمنين، بل تطبيع خلطٍ رمزي يُفرغ المقامات من خصوصيتها ويُربك وعي المواطن، ويُضعف فكرة الملك الحكم لصالح استعمال رمزي انتهازي.
«مولات المظلّة» إذن ليست شخصًا بقدر ما هي لحظة كاشفة. لحظة تقول إن أزمة حقوق الإنسان ليست فقط في النصوص أو التقارير، بل في الرموز والسلوكيات والصور التي تُنتج معنى السلطة في المخيال العام.
حين تتسع المسافة بين الخطاب الحقوقي والواقع المعيش، وحين تُدار الحقوق بلغة البلاغات لا بجرأة المواقف، تصبح الصورة أصدق من البيان، وتغدو المظلّة سؤالًا معلّقًا: من يحتمي بمن؟
ومن يملك الحق في المطر؟ وفي غياب جواب مقنع، تستمر الحسرة، لا على شخص بعينه، بل على فكرة الحقوق حين تُدار من فوق، بدل أن تُحمى من تحت.















