في لحظة كان يُفترض أن يسود فيها الصمت احترامًا لثقل الفاجعة التي هزّت المدينة العتيقة بـتطوان، عاد النقاش العمومي لينزلق، مرة أخرى، إلى مربّع التبرير وإعادة ترتيب السرديات بدل مساءلة الوقائع.

حادثة انهيار بناية ووفاة طفلين ليست مجرد حدث عابر في سجل المدينة، بل جرس إنذار مؤلم يكشف هشاشة تراكَمت بصمت، عبر سنوات من التدبير الذي لم يكن دائمًا في مستوى تعقيد المجال.
وفي خضم هذا السياق الحزين، برزت خرجة سياسية غير موفقة صادرة عن أحد المنتمين إلى حزب العدالة والتنمية، لتعيد طرح سؤال التوقيت قبل المضمون.
إذ بدا وكأن هذه الخرجة تحاول القفز فوق مرحلة أساسية من تاريخ هذا الورش، وهي المرحلة التي انطلق خلالها مشروع تأهيل المدينة العتيقة، وتم فيها وضع أسسه الأولى وتحديد أولوياته الكبرى.
فلا أحد يجادل في أن ورش تأهيل المدينة العتيقة هو مشروع وطني ممتد، ساهمت فيه مؤسسات متعددة وتعاقبت عليه مراحل مختلفة، غير أن الإنصاف يقتضي التذكير بأن انطلاقته الفعلية، على مستوى الجماعة، ارتبطت بمرحلة تدبير الحزب المذكور لولايتين متتاليتين. خلال تلك الفترة، رُفعت شعارات التأهيل الشامل، وأُطلقت برامج متعددة، غير أن ما طغى على جزء منها هو التركيز على الجوانب التجميلية، مقابل تأجيل أو بطء معالجة الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها البنايات الآيلة للسقوط.
هنا تكمن المفارقة التي يصعب تجاهلها اليوم: كيف يمكن لورش تأهيل أن يُعطي الأولوية لتكسية الأرضيات وإحداث الظلالات، في حين ظلت بعض الجدران تحمل في صمت علامات الإنهاك والتآكل؟ وكيف يمكن للخطاب السياسي أن يستمر في تقديم صورة “التأهيل” دون أن يُخضع نفسه لميزان الواقع الذي تكشفه مثل هذه الحوادث المؤلمة؟
إن الخرجة السياسية التي أعقبت الفاجعة، بدل أن تذهب في اتجاه مساءلة هذه الاختلالات بروح نقدية مسؤولة، اختارت – ولو بشكل غير مباشر – إعادة صياغة الرواية، وكأن المشروع وُلد في فراغ، أو كأن مراحله الأولى لم تترك أثرًا في مساره الحالي. وهذا في حد ذاته إشكال، لأن الذاكرة المؤسساتية لا تُبنى بالانتقاء، بل بالاعتراف المتكامل بكل حلقات الفعل العمومي، نجاحًا وإخفاقًا.
لا يتعلق الأمر هنا بتوزيع الاتهامات أو البحث عن “متهم جاهز”، بقدر ما يتعلق بإعادة وضع النقاش في سكته الصحيحة. فالمشاريع الكبرى، خصوصًا تلك المرتبطة بمدن عتيقة ذات نسيج هش ومعقد، تحتاج إلى وضوح في الرؤية منذ البداية، وإلى ترتيب دقيق للأولويات، حيث تأتي السلامة قبل الزينة، والإنقاذ قبل التجميل.
وإذا كانت الفاجعة قد كشفت جانبًا من هذا الخلل، فإن التعامل معها بخطاب سياسي متسرع أو دفاعي لا يزيد إلا في تعميق الفجوة بين ما يُقال وما يُعاش. لأن المواطن، في نهاية المطاف، لا يقيس نجاح البرامج بعدد البيانات أو الخرجات، بل بمدى شعوره بالأمان داخل فضائه اليومي.
إن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يجب أن يكون شعارًا مناسباتيًا، بل ممارسة فعلية تبدأ من الاعتراف بأن لحظة الانطلاق كانت بدورها في حاجة إلى قدر أكبر من الحسم والجرأة في مواجهة الأولويات الحقيقية. ومن دون هذا الاعتراف، سيظل النقاش يدور في حلقة مفرغة، حيث تُستدعى الإنجازات عند الحاجة، وتُنسى الاختلالات عند المساءلة.
تطوان اليوم، وهي تلملم جراحها، لا تحتاج إلى من يدافع عن الماضي بقدر ما تحتاج إلى من يقرأه بصدق. لأن المدينة العتيقة ليست مجرد فضاء تراثي قابل للتجميل، بل كائن حيّ يتطلب عناية شاملة، تبدأ من أساساته، قبل أن تصل إلى واجهاته.















