عقد الأسبوع المنصرم مجلس وزاري برئاسة جلالة الملك محمد السادس نصره الله و أيده، ومن داخل أسوار القصر الملكي، خرجت معالم خارطة طريق جديدة لم تكن مجرد تعديل إداري بسيط، بل هي إعادة هيكلة شاملة لمفهوم “الدولة المنجزة”. إن المشروع الذي قدمه وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، يضع حجر الزاوية لمرحلة انتقالية كبرى، تنتقل فيها المملكة من زمن الوعود الحزبية إلى زمن التعاقد على النتائج، معلنةً بذلك ميلاد نموذج تنموي لا يقبل التأجيل أو المحاباة.
هندسة التنمية: كيف كنا وكيف أصبحنا؟
لكي يستوعب القارئ حجم التغيير، لا بد من إجراء مقارنة بين “النموذج القديم” الذي أظهر محدوديته، و”النموذج الجديد” الذي يمثل الرؤية الملكية الاستباقية:
قبل القرار (نموذج المجالس المنتخبة): كانت المشاريع التنموية الكبرى رهينة لدورات المجالس الترابية وصراعات التحالفات والمعارضات. فكثيراً ما شهدنا “بلوكاج” لمشاريع حيوية (طرق، ملاعب، سدود) بسبب حسابات سياسية ضيقة، مما أدى لهدر الزمن التنموي وتبذير الموارد المالية في مشاريع تفتقر للدقة التقنية.
بعد القرار (نموذج الشركات الجهوية): انتقل ثقل التنفيذ من “المنتخب السياسي” إلى “المسير التقني”. عبر تحويل وكالات التنفيذ إلى شركات مساهمة جهوية، أصبحنا أمام مؤسسات تعمل بعقلية القطاع الخاص وبصرامة الدولة وتحت رقابتها المباشرة، حيث القرار يُبنى على دراسات النجاعة، والتنفيذ يخضع لإشراف مباشر من الإدارة الترابية (الولاة والعمال) الذين تحولوا إلى قادة ميدان مسؤولين عن كل درهم يُصرف.
الميزانية والسيادة: الملايير في أيدٍ أمينة
لم يعد منطق “الغنيمة الانتخابية” مقبولاً في مغرب يواجه تحديات وجودية كالإجهاد المائي وطموحات عالمية كمونديال 2030. لذا، فإن رصد غلاف مالي ضخم يناهز 210 مليار درهم لم يكن ليمر عبر قنوات التسيير الهاوي. الدولة اليوم حصرت دور المجالس المنتخبة في تحديد الاحتياجات المحلية (سياسة القرب)، بينما سحبت سلطة التنفيذ المالي والتقني لتضعها في يد مؤسسات تكنوقراطية محترفة.
هذا التحول يعني أن المقاول والمستثمر لم يعد مضطراً لانتظار رضى الفاعل السياسي لصرف مستحقاته أو تسريع مساطره، بل أصبح يتعامل مع هيئة تنفيذية يحكمها عقد أداء ونتائج ملموسة. إنها شرعية الإنجاز التي تضع مصلحة المواطن في قلب الأوراش الكبرى، بعيداً عن ضجيج الحملات الانتخابية.
المغرب ونماذج النجاح العالمي:
إن المغرب بهذه الخطوة لا يخترع نموذجاً من فراغ، بل يستلهم نجاحات دولية رائدة (مثل سنغافورة ورواندا و غيرها) التي آمنت بأن التنمية القوية تحتاج لمركزية في التخطيط ولامركزية احترافية في التنفيذ. إنها رؤية جلالة الملك محمد السادس نصره الله التي تسبق الزمن، لتجعل من مغرب 2034 وطناً تسوده العدالة المجالية الحقيقية، حيث تُبنى القنطرة وتُحلى مياه البحر وتُشيد الملاعب بدقة الساعات السويسرية.
لقد انتهى عهد التدبير بالصدفة، ودخلنا عهد التدبير بالنتائج. فهل ستكون هذه الصرامة الإدارية الجديدة هي “العلاج النهائي” لداء البيروقراطية الذي طالما استنزف طموحاتنا، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة النخب الجديدة على ممارسة السياسة بمعناها الأخلاقي بعيداً عن لغة الأرقام الصماء؟














