هل يمكن أن يكون الإفراج عن جزء من معتقلي “جيل زد” مجرد خطوة تكتيكية لامتصاص الاحتقان، أم أنه بداية لخطوات أوسع تجاه النموذج السياسي المغربي؟ وما الذي يعنيه هذا التحول لمستقبل علاقة الدولة بجيل يرفض الخضوع للأساليب التقليدية في التعبير؟
يأتي قرار الإفراج عن عدد من المعتقلين على خلفية احتجاجات “جيل زد” كخطوة يمكن قراءتها في السياق المحلي كاستجابة مرنة لضغوط وتفاعلات داخلية وخارجية.
هذا الإجراء، وإن بدا محدوداً، يحمل في طياته أبعاداً تكتيكية تتعلق بكيفية تدبير الدولة لعلاقتها بجيل جديد، ومستقبل التوازنات في النموذج السياسي المغربي في ظل تحديات متزايدة.
خياران في أسلوب التدبير
يمكن تقسيم السيناريوهات المستقبلية للتعامل مع هذا الحراك الجيلي إلى خيارين رئيسيين؛ يتمثل الأول في الاستمرار في النهج التقليدي القائم على المقاربة الأمنية الصارمة والمراقبة والتضييق على هوامش الحريات، وهو نهج قد يؤدي إلى تفاقم الاحتقان الاجتماعي، واتساع رقعة الاحتجاجات، وفي أسوأ الحالات، إلى تآكل فاعلية بعض المؤسسات التنفيذية. أما الثاني فيتمثل في تبني خيارات بديلة قائمة على الاحتواء والاستثمار في الطاقات البشرية، والاعتراف بأن “جيل زد” ليس مجرد تحدٍّ أمني عابر، بل هو ثروة بشرية يمكن توظيفها لدفع عجلة التنمية.
ويبدو أن الإفراج الجزئي عن المعتقلين يمكن أن يُقرأ كإشارة إلى تفضيل مقاربة مرنة، ليس بالضرورة قناعة بالتحول الكامل، بل لأن الخيار الأمني الصرف أصبح مكلفاً جداً من الناحيتين السياسية والاجتماعية.
”جيل زد”: من تحدٍّ إلى ثروة
لطالما تعاملت بعض الأجهزة في الدولة مع “جيل زد” كملف أمني يحتاج إلى مراقبة ورصد، لكن التطورات الراهنة تشير إلى مراجعات نسبية في هذا التصور. فالشباب المغربي، كما أثبت في المحافل الدولية، يمتلك طاقات استثنائية يمكن أن تدفع البلاد نحو مرحلة جديدة من التنمية، إذا ما أُحسن استثمارها في بيئة مستقرة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للدولة أن تحمي هؤلاء الشباب من الاستغلال الخارجي دون أن تتحول “الحماية” إلى “تضييق”؟ فالحماية الحقيقية تبدأ بتأمين بيئة قانونية واجتماعية تمكنهم من التعبير المسؤول، وليس بتضييق الخناق عليهم بحجة “المراقبة”.
من المقاربة الأمنية إلى الاحتواء التكتيكي
إذا كانت المقاربة الصارمة هي الأسلوب الذي هيمن لفترات طويلة، فإن الاحتواء المرن أصبح ضرورة ملحة في ظل التحولات الرقمية والجيلية.
فالشباب اليوم تجاوزوا الأساليب التقليدية للردع، بل يكمن توجسهم الحقيقي في “الجهل” و”البطالة” و”غياب الأفق”.
والإفراج عن جزء من المعتقلين خطوة أولية، لكنها تظل ناقصة ما لم تتبعها رؤية شاملة.
ما تحتاجه البيئة السياسية اليوم هو الانتقال من التكتيكات المرحلية إلى “رؤية وطنية” مستدامة للتعامل مع “جيل زد”، تعتمد على الحوار، والإدماج، والاستثمار في الطاقات البشرية، بدلاً من الاقتصار على الحلول الأمنية المؤقتة. هذه الرؤية قد تحول المغرب إلى “قوة إقليمية” بفضل شبابه وطاقاتهم المتجددة.
مفهوم “بنية الحكامة” والمؤسسات
من المهم التمييز هنا عند الحديث عن ميكانيزمات تدبير الشأن العام؛ فالمقصود بـ”المنظومة التنفيذية” هو الهيكلة المؤسساتية لتدبير الحريات والسياسات العامة، والتي تشمل مؤسسات متعددة (دستورية، قضائية، حركية، أمنية)، في حين تظل “المؤسسة الملكية” هي المرجعية السيادية الضامنة لاستقرار البلاد والتوازنات الكبرى، وفوق أي تقييم يرتبط بالتدبير اليومي للمؤسسات التنفيذية.
الحديث عن “تحديث الآليات” لا يعني أبداً المساس بالثوابت، بل يعني ضرورة تجديد أدوات الحكامة بما يتناسب مع متطلبات العصر.
النموذج المغربي يمر اليوم بمرحلة مخاض حقيقية لتجديد نخب وآليات العمل، وتظل القدرة على احتواء “جيل زد” وإدماجه في مشروع وطني هي الرهان الحقيقي للمستقبل.
هل تنجح المناورة التكتيكية في بناء حوار دائم؟
الإفراج الجزئي عن معتقلي “جيل زد” ليس نهاية المطاف، بل هو خطوة تكتيكية تفتح الباب أمام قراءات متعددة؛ مرحلة ستتحدد فيها مدى قدرة التدبير السياسي على التطور نحو “الاحتواء”، وتحويل “التوجس” إلى “حوار”.
فهل ستنجح هذه الخطوات المرنة في فتح آفاق جديدة لجيل يبحث عن التغيير، أم ستظل الرهانات معلقة على تكتيكات مرحلية لا تحسم جوهر الإشكال؟














