حكم قضائي ابتدائي بسنة حبس نافذة، صدر مساء الأربعاء 21 أكتوبر 2026، ليضع البروفيسور رشيد شرقاب، رئيس مصلحة الإنعاش والتخدير بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، خلف القضبان، في مشهد يختزل مفارقة قاسية بين طبيب كرّس حياته لإنقاذ الأرواح، ومسؤولين يختارون معاقبته على كشفه للاختلالات.
فالبروفيسور شرقاب، الذي قضى سنوات في خدمة المرضى، خصوصاً الفئات الهشة، لم يكن مجرد طبيب عادي. شهادات زملائه ومرضاه تتحدث عن رجل تدخل ذات يوم لمنع بتر رجل مريض، ونجح في إنقاذ طرفه بفضل مهارته الطبية. هذا الرجل، الذي يفترض أن يكون في قاعات العمليات أو في مدرجات كلية الطب ينقل خبرته لطلابه، وجد نفسه فجأة متهماً بتهم التشهير وانتحال الصفة النقابية، بعد أن تجرأ على كسر حائط الصمت وكشف ما اعتبره “اختلالات وتجاوزات” في تدبير مستشفى ابن رشد.
من يخشى الحقيقة؟
إن الحكم على طبيب بهذا الثقل، وفي ظروف مثيرة للجدل، يطرح أكثر من علامة استفهام حول حدود حرية التعبير في المؤسسات الصحية، وحول من يحمي المرفق العام فعلاً. فهل يعقل أن يُكافأ طبيب على شجاعته في التبليغ عن الفساد بالسجن، بينما يُترك آخرون يتصرفون في المال العام وسمعة المؤسسات دون حساب؟ وهل أصبح التبليغ عن الاختلالات جريمة تستوجب الحبس، في وقت تتحدث فيه الدولة عن حكامة جيدة ومحاربة الفساد؟
لقد سارع الحقوقيون إلى إدانة هذا الحكم، معتبرين أنه يمس بحقوق المبلغين عن الفساد. محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، لم يتردد في وصف اعتقال شرقاب من داخل المحكمة، رغم أنه كان في حالة سراح، بأنه “توظيف لمقتضيات المادة 392 من قانون المسطرة الجنائية” في مواجهة طبيب “معروف بمساندته للفئات الهشة وشكاياته المتكررة بشأن شبهات الفساد”. وأشار إلى مفارقة مؤلمة: “اعتقال الطبيب، في مقابل إفلات متورطين في جرائم مالية خطيرة من العقاب”.
جرح لا يلتئم
هذه القضية ليست مجرد قضية طبيب واحد. إنها جرح في جسد المنظومة الصحية بأكملها. فحين يُسجن من يحاول إصلاحها، ويُترك من يعبث بها، فإن الرسالة التي تصل إلى كل طبيب وممرض ونقابي واضحة: اصمت، أو ستُلقى في السجن. وهذا ما دفع الاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل إلى إدانة اعتقال شرقاب والنقابي عبد اللطيف صدار، والمطالبة بضمانات المحاكمة العادلة.
إن البروفيسور شرقاب ليس متهماً، بل هو ضحية منظومة تخشى النور. هو طبيب أنقذ حياة، وحاول إنقاذ مؤسسة. واليوم، يقف خلف القضبان، بينما تبقى الجريمة الحقيقية، جريمة إهدار المال العام والفساد، دون عقاب. إن استئناف هذا الحكم ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو اختبار حقيقي لمدى التزام القضاء بحماية المبلغين، ومدى قدرة الدولة على حماية من يحمون أرواحنا.















