تحولت سواحل سبتة المحتلة إلى مسرح لمأساة إنسانية، في مشهد مؤلم يعكس تناقض صارخ بين وعود الدولة وواقع المواطنين، حيث وجد شباب مغاربة، دفعهم الفقر والبطالة وانسداد الأفق إلى المجازفة بحياتهم، أنفسهم في مواجهة ليس مع غريب، بل مع من يتحدث لغتهم ويشاركهم الانتماء، في مشاهد عنف دامية أثارت موجة واسعة من الصدمة والاستنكار، وأعادت إلى الواجهة أسئلة مؤرقة حول مسؤولية الدولة في حماية أبنائها قبل حدودها.
وسط هذه المأساة، يغيب عن كثيرين أن سبتة ليست مجرد نقطة عبور بالنسبة لآلاف المغاربة، بل امتداد لذاكرة عائلات بأكملها. فهناك من يعبر لزيارة قبر والده، ومن يدخل لصلة الرحم، ومن يطمئن على قريب مريض، لا بحثا عن الهجرة أو العمل، بل لأن روابط الدم والتاريخ لا تعترف بالحدود.
وفي هذا السياق، نشر الناشط حمزة الخمال قصة أحد أصدقائه الذي دخل سبتة صباحاً وغادرها مساءً، وعندما سُئل عن سبب دخوله، أجاب: “لم أدخل بحثا عن الهجرة أو العمل، بل دخلت لزيارة قبر والدي الذي دُفن هناك، ثم زرت عمتي المريضة وعدت إلى بلدي”. هذه الشهادة تختصر حقيقة كثيرا ما تغفلها الخطابات السطحية؛ فليس كل من يعبر الحدود مهاجراً، وليس كل عابر باحثاً عن لقمة العيش، بل هناك من تدفعه الإنسانية وصلة الرحم وواجب الوفاء لوالد رحل وترك قبره في الضفة الأخرى.
في المقابل، يبرز سؤال سياسي مشروع يفرض نفسه بإلحاح، أين الحكومة؟ وأين الأحزاب المشكلة للأغلبية؟ وأين ممثلو الإقليم في البرلمان؟ وأين المنتخبون؟ وأين صوت المجتمع المدني؟ أين المشاريع التنموية التي وُعد بها الشباب؟ وأين فرص الشغل التي تحفظ كرامتهم؟ وأين السياسات القادرة على معالجة جذور الهجرة واليأس بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها؟ وأين الدفاع عن خصوصية المناطق الحدودية التي تجمعها روابط عائلية واجتماعية وتاريخية لا يمكن تجاهلها؟
إن مسؤولية تدبير هذا الملف لا يمكن اختزالها في المقاربة الأمنية وحدها، بل هي مسؤولية سياسية وتنموية واجتماعية وأخلاقية، تستوجب رؤية بعيدة المدى وإرادة حقيقية ومحاسبة جادة، حتى لا يبقى اليأس هو الخيار الوحيد أمام شعب هذا الوطن. ويبقى السؤال الذي يلاحق كل مسؤول، حكومةً وبرلمانا ومؤسسات: إلى متى سيظل المغاربة يدفعون ثمن الفقر والبطالة وانسداد الأفق بأرواحهم؟ وإلى متى ستستمر هذه المآسي، بينما تتأخر الحلول، وتبقى كرامة الإنسان هي الخاسر الأكبر؟















