دخل الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة إلى مختلف المجالات، ولم تكن الصحافة استثناء. فأدوات مثل “ChatGPT” “claude” و”Gemini” و”Copilot” أصبحت تستعمل داخل بعض غرف الأخبار لتفريغ المقابلات، وترجمة النصوص، وتلخيص الوثائق، بل وحتى إعداد مسودات أولية للمقالات.
ومع انتشار هذه الأدوات، بدأ يطرح سؤال داخل الوسط الإعلامي: هل ما زال الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة تساعد الصحفي في عمله، أم أنه بدأ يغير طريقة ممارسة المهنة نفسها؟
وحسب مؤسسات إعلامية دولية، تسمح وكالة “Associated Press” باستعمال الذكاء الاصطناعي في بعض المهام المساندة، لكنها تؤكد على أن مراجعة المحتوى والتحقق منه يظلان من مسؤولية الصحفي.
وفي نفس السياق، تشدد Reuters ومعهدها لدراسة الصحافة على أن القرار التحريري النهائي يجب أن يبقى بيد الإنسان، ورغم تقبل القراء للمساعدة التقنية في التلخيص والترجمة و التفريغ، إلا أنهم يفضلون بقاء كتابة الأخبار تحت إشراف صحفي.
وفي هذا الصدد، سبق أن صرح الزميل عبد الكبير اخشيشن، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، لجريدة لوبوكلاج، أن مختلف الاستبيانات تشير إلى أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي داخل المغرب لا يزال ضعيفا، مضيفاً أن النقابة وضعت الموضوع ضمن برنامجها السنوي لدراسة تأثيره على المهنة والمنظومة القانونية، وفتح المجال أمام الشباب.
في حين أن نسبة استخدام الكوادر للذكاء الاصطناعي في العمل بالمغرب بلغت 52% حسب دراسة أجرتها “Boston Consulting Group (BCG) وReKrute”، أما نسبة تعرض المغاربة لحلوله فبلغت 87% حسب دراسة “Concentrix وIpsos”. وبذلك تحتل المملكة المرتبة الأولى مغاربياً في التصنيف العالمي للذكاء الاصطناعي المسؤول لسنة 2026، وفق مؤشر يقيس جاهزية الدول لاعتماد أطر حكامة آمنة.
وفي سياق متصل، شدد الإعلامي والمهتم بقضايا الذكاء الإصطناعي، زهير زعواط، بناءً على أبحاث قام بها ، في تصريح لجريدة لوبوكلاج، على ضرورة الحذر من الانسياق التام وراء هذه التقنيات، موضحاً أن الاعتماد الكلي عليها يلغي دور الصحفي ويمس بجوهر المهنة القائم على اللمسة الإنسانية والنزاهة، ومؤكداً أن الاستعانة بها يجب أن تبقى في حدود ضيقة كالبحث عن المصادر واستلهام الأفكار للحفاظ على الروح الإبداعية ومصداقية الخبر.
في حين إعتبر مدير موقع “Maroc7″، الزميل جلال طبطاب، أن إستخدام الذكاء الإصطناعي كوسيلة لتسريع آلية الإشتغال لا يؤثر على جوهر المهنة، باعتبار أن الغاية تبرر الوسيلة.
مؤكدا أن التأثير السلبي يكون عند الإعتماد عليه بشكل كلي دون مراجعة ولا تأكد من المصادر التي يعتمدها لتوليد المواد الصحفية.
ومن جانبه، أوضح الدكتور مهدي عامري، أستاذ وخبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بالمعهد العالي للإعلام والاتصال، لـ”لوبوكلاج”، أن الرهان الحقيقي للمغرب يكمن في الانتقال من مجرد مستهلك للتكنولوجيا إلى فاعل مبتكر، مؤكدا على أهمية بناء العقل النقدي لدى الشباب عبر التعليم وتوفير العدالة الرقمية. وأضاف أن الأدوات الذكية لن تعوض الصحفي في فهم السياق وحماية المصادر، وأن الاستثمار في الإنسان قبل الآلة هو ما سيجعل التكنولوجيا رافعة للتطوير بدل زيادة الفوارق.
ختاماً، يبدو أن الذكاء الاصطناعي في الواقع فرض نفسه داخل المشهد الإعلامي. ورغم تصدر المغرب لمؤشرات الجاهزية الرقمية، يجمع المهنيون والأكاديميون على أن التكنولوجيا مهما تطورت ستظل مجرد مرآة لاختياراتنا؛ فالآلة قد تجمع المعطيات وتصيغ المسودات، لكنها لن تعوض روح الصحفي وحسه الإنساني في فهم السياق ونقل الحقيقة بأمانة.















