يحتفل المغرب بعيد الوحدة، فيما لا تزال أصداء ما جرى في مجلس الأمن بنيويورك تلقي بظلالها على النقاش الوطني بشأن مستقبل قضية الصحراء.
فالمجلس لم يتمكن من اعتماد أي من مشروعي القرار الأمريكي والروسي، ولم يصدر قرار جديد بشأن تمديد ولاية بعثة المينورسو، في مشهد يعكس استمرار التباينات الدولية حول تدبير هذا الملف ومسارات تسويته.
ويأتي هذا العيد في سياق دبلوماسي استثنائي، يطرح أكثر من سؤال حول دلالة اختيار هذا التاريخ، وحول المسافة الفاصلة بين المكاسب الدبلوماسية التي حققها المغرب وبين الطموح إلى طي النزاع نهائياً.
لماذا عيد الوحدة في هذا التاريخ؟
لا شك أن اختيار التاريخ يحمل دلالة سياسية ورمزية مرتبطة بالتطورات التي عرفتها قضية الصحراء على المستوى الدولي.
غير أن الذاكرة الوطنية للوحدة الترابية تستحضر محطات تاريخية صنعتها تضحيات المغاربة ونضالاتهم، من استرجاع طرفاية سنة 1958، وسيدي إفني سنة 1969، إلى المسيرة الخضراء سنة 1975، ثم استرجاع إقليم وادي الذهب سنة 1979.
تلك محطات ارتبطت بوجدان المغاربة وبمسار استكمال الوحدة الترابية.
أما المحطة الجديدة فتستمد رمزيتها من الحضور الدبلوماسي للمغرب ومن التحولات التي عرفها التعاطي الدولي مع النزاع.
ولكل مرحلة سياقها ومشروعيتها، لكن الرهان الحقيقي يظل في تحويل الرمزية السياسية إلى واقع يلمسه المواطن.
الوحدة الترابية.. هل يكفي الاعتراف الدولي؟
إن المغاربة يعتبرون الصحراء جزءاً لا يتجزأ من ترابهم الوطني، ويتمسكون بوحدتهم الترابية. غير أن الاحتفاء بهذه الوحدة لا ينبغي أن يحجب الأسئلة المرتبطة بمآلات النزاع.
فالوحدة ليست مجرد خريطة أو مواقف دبلوماسية، بل هي أيضاً تسوية سياسية تنهي حالة النزاع، وتضمن الاستقرار، وتحفظ كرامة جميع المعنيين.
وهي كذلك مشروع تنموي وحقوقي ومجالي، يشعر معه المواطن في العيون والداخلة والسمارة بالإنصاف والعدالة وتكافؤ الفرص، كما يشعر بها المواطن في الرباط وفاس وطنجة.
فالوحدة التي نحتفي بها ينبغي أن تكون وحدة في الحقوق والواجبات، وفي التنمية والكرامة والمواطنة.
مجلس الأمن.. حين تتحول القضية إلى ورقة في صراع الكبار
ما جرى في مجلس الأمن يكشف مرة أخرى أن قضية الصحراء لا تُدار فقط بمنطق النزاع الإقليمي، بل تتأثر أيضاً بحسابات القوى الدولية وتوازناتها.
فالتباين الأمريكي الروسي، والمواقف المتحفظة لبعض الأعضاء، تؤكد أن التوافق الدولي حول مستقبل الملف لا يزال بعيداً عن الاكتمال.
ومن الخطأ قراءة المواقف الدولية باعتبارها دعماً مطلقاً أو خصومة دائمة. فالدول تتحرك وفق مصالحها وحساباتها الاستراتيجية، وقد تتقاطع مواقفها مع المصالح المغربية في مرحلة، ثم تختلف معها في مرحلة أخرى.
لذلك، فإن الرهان لا ينبغي أن يكون على تسجيل نقاط ظرفية في مواجهة هذا الطرف الدولي أو ذاك، بل على بناء تحالفات مستدامة، وتوسيع دائرة الدعم لمقترح الحكم الذاتي، وتعزيز موقع المغرب التفاوضي.
بلاغ الديوان الملكي.. بين دلالات الموقف وإكراهات الواقع
لقد حمل بلاغ الديوان الملكي قراءة سياسية واضحة للتطورات الأخيرة، واعتبرها محطة مهمة في اتجاه الطي النهائي للنزاع داخل الأمم المتحدة، مع الدعوة إلى مراجعة طريقة تدبير الملف وإنهاء وضعه الحالي.
ومن حق المغرب أن يستثمر ما يعتبره مكسباً دبلوماسياً، وأن يدفع نحو الانتقال من تدبير النزاع إلى البحث عن تسوية نهائية.
لكن القراءة المهنية تقتضي التمييز بين الدلالات السياسية للتطورات الأخيرة وبين آثارها القانونية والمؤسساتية والميدانية.
فعدم اعتماد مشروع قرار لتمديد ولاية المينورسو لا يعني، في حد ذاته، أن مجلس الأمن قرر سحب الملف من جدول أعماله، كما أن مستقبل البعثة وترتيبات وجودها الميداني يظلان مرتبطين بالإجراءات الأممية ذات الصلة. فضلاً عن أن إنهاء النزاع يتطلب مساراً سياسياً واضحاً وتوافقات تتجاوز مجرد تعثر التصويت على مشروع قرار.
إن قوة الموقف المغربي لا تكمن فقط في الاحتفاء بما تحقق، بل أيضاً في القدرة على قراءة ما لم يتحقق بعد، واستيعاب التحديات التي تفرضها المرحلة المقبلة.
عيد الوحدة.. مناسبة للاحتفال والمساءلة أيضاً
لا ينبغي أن يتحول عيد الوحدة إلى مجرد مناسبة للاحتفال الرسمي أو لترديد الشعارات الوطنية، بل يجب أن يكون فرصة لمراجعة مسار استكمال الوحدة الترابية، وفتح نقاش جدي حول مسؤوليات الدولة والمجتمع والإعلام في إنجاح هذه المرحلة.
فلا وحدة مكتملة دون تنمية عادلة، ولا استقرار دائم دون إنصاف، ولا مكسب دبلوماسي مستدام دون إعلام حر ومسؤول، قادر على نقل الوقائع ومناقشة الاختلالات دون أن يتحول النقد إلى تشكيك أو تتحول الوطنية إلى مبرر لإغلاق باب النقاش.
كما أن وراء هذا النزاع بشراً لهم انتظاراتهم ومخاوفهم وحقوقهم، وأي حل دائم ينبغي أن يضع الكرامة الإنسانية والاستقرار في صلب أولوياته.
إن عيد الوحدة سيكتسب معناه الأعمق عندما ننتقل من الاحتفاء بالوحدة باعتبارها مكسباً تاريخياً إلى تجسيدها باعتبارها مشروعاً سياسياً وتنموياً وحقوقياً متكاملاً.
فالوحدة لا تُصان بالدبلوماسية وحدها، ولا تكتمل بالاحتفالات وحدها، بل تحتاج إلى دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع منصف، وإعلام حر، ومواطن يشعر بأن الوطن يتسع للجميع
.















