لوبوكلاج : الرباط
أنا واحد من ضحايا درب مولاي الشريف، وأعرف، كما يعرف غيري من الناجين من جحيمه، ما ارتكبه الجلادون في حق المعتقلين داخل ذلك المعتقل الرهيب.
أحمد الحو – معتقل إسلامي سابق وضحية من ضحايا درب مولاي الشريف
أنا واحد من ضحايا درب مولاي الشريف، وأعرف، كما يعرف غيري من الناجين من جحيمه، ما ارتكبه الجلادون في حق المعتقلين داخل ذلك المعتقل الرهيب.
تعذيب يومي، وسياط لا تهدأ، وسباق محموم بين الجلادين لتجويد أدوات التعذيب وجعلها أشد إيلاماً. أما رؤوسهم، فيكفي المرء أن يتخيل حدود السادية التي يمكن أن يبلغها من امتلكوا سلطة التعذيب وتجردوا من أبسط مشاعر الإنسانية.
أقول لهؤلاء، ولكل من تورط في تلك الانتهاكات: ألا تستحيون؟
بالأمس، خرج الخلطي، أحد الأسماء المرتبطة بمرحلة درب مولاي الشريف، ليرد على تصريحاتي بشأن تعاون بنكيران معه، وعلى ما ورد في كتابي «عائد من المشرحة»، عبر صحيفة «الأيام المغربية»، مدعياً أن الانتهاكات التي ارتُكبت في حق المعتقلين السياسيين قد طالها التقادم.
واليوم، يخرج عرشان، الذي أقول إنه من رواد درب مولاي الشريف، ليتهم ضحاياه الذين تعرضوا لأبشع صنوف التعذيب بأنهم «طابور خامس».
ضحايا تحدثوا عن ممارسات بالغة القسوة، من بينها دق المسامير في بطون الأرجل، وإجبار معتقلين على شرب البول، في مشاهد تختزل ما يمكن أن يبلغه التعذيب حين يتحول إلى وسيلة للإذلال وسحق الكرامة الإنسانية.
أما قدور اليوسفي، الذي شهدتُ على وقائع تتعلق بمقتل عدد من الضحايا تحت التعذيب خلال فترة قيادته لدرب مولاي الشريف، فلم يمنعه ذلك الماضي، كما أراه وأتذكره، من الظهور في المحافل الدولية ممثلاً لبلادنا، للدفاع عن سجلها في مجال حقوق الإنسان والرد على الاتهامات المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: كيف يستقيم أن يتحول من ارتبطت أسماؤهم بمرحلة الانتهاكات إلى مدافعين عن براءة الدولة منها، بينما لا تزال أجساد الضحايا تحمل آثار ما تعرضوا له؟
وكيف يمكن لمن كانوا، بحسب شهادات الضحايا، جزءاً من منظومة القمع والتعذيب، أن يتصدروا المشهد السياسي والحقوقي، من دون أن تواجه هذه الذاكرة المؤلمة بما تستحقه من حقيقة ومساءلة؟
إن ما يثير المرارة ليس استحضار الماضي وحده، بل الطريقة التي يعود بها إلى الحاضر. فالخلطي يدافع عن ماضيه في أعمدة الصحافة، وعرشان يتحدث من موقع برلماني، وقدور اليوسفي ظهر في محافل دولية مدافعاً عن صورة الدولة. أما الضحايا، فما زالوا يحملون على أجسادهم ونفوسهم آثار سنوات لم تكن فيها كرامة الإنسان ولا سلامته الجسدية موضع احترام.
فهل طوينا فعلاً صفحة الماضي؟ وهل نجحنا في تثبيت ضمانات حقيقية تحول دون تكرار ما جرى خلال سنوات الرصاص؟
أم أن الحديث عن المصالحة والعدالة الانتقالية أصبح، لدى البعض، مجرد واجهة تخفي غياب المساءلة واستمرار الإفلات من العقاب؟
لقد قبل ضحايا الانتهاكات، على مضض، خلال جلسات الاستماع العلنية، عدم ذكر أسماء الجلادين، مساهمةً منهم في إنجاح مسار العدالة الانتقالية، وتغليباً للمصلحة العامة، انطلاقاً من قناعة بأن مسؤولية الدولة عن الانتهاكات الجسيمة تظل قائمة، وأن الاعتراف بالحقيقة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار هي الأسس الضرورية لبناء المصالحة.
لكن هل كان ذلك القبول تنازلاً عن حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف؟
وهل كان الصمت عن الأسماء تفويضاً لأصحاب الماضي المؤلم كي يعودوا إلى الحياة العامة، ويتحدثوا عن ضحاياهم بلغة الاتهام والتشكيك، وكأن شيئاً لم يحدث؟
قطعاً، لا يمكن أن يكون الصمت الذي اختاره الضحايا في سياق العدالة الانتقالية صك براءة، ولا يمكن أن تتحول رغبتهم في إنجاح المصالحة إلى وسيلة لمحو الذاكرة أو تبرير الانتهاكات.
إن الدستور يجرّم التعذيب والمس بالسلامة الجسدية، كما أن الاختفاء القسري والتعذيب من الانتهاكات الخطيرة التي لا يجوز التعامل معها بمنطق النسيان أو التبرير. ومهما طال الزمن، فإن التقادم القانوني، حيثما أُثير، لا ينبغي أن يتحول إلى حجة أخلاقية لمحو معاناة الضحايا أو إسكات شهاداتهم، ولا إلى وسيلة لقلب الأدوار وجعل الضحية متهماً والجلاد مدافعاً عن الحقيقة.
لقد كان من المفترض أن تفضي العدالة الانتقالية إلى ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وإقرار ضمانات فعلية لعدم التكرار. لكن حين يظهر أشخاص ارتبطت أسماؤهم، في شهادات الضحايا، بممارسات التعذيب، ثم يهاجمون ضحاياهم أو يشككون في وطنيتهم، فإن ذلك يفتح جرحاً لم يلتئم، ويطرح أسئلة محرجة حول حدود المصالحة ونتائجها.
نحن لا نستحضر درب مولاي الشريف من باب الانتقام، ولا نتمسك بالذاكرة رغبةً في إعادة إنتاج الماضي، بل لأن الحقيقة لا تسقط بالتقادم الأخلاقي، ولأن كرامة الضحايا لا يجوز أن تكون ثمناً لتسوية غير مكتملة. إننا نطالب بأن تُسمع شهاداتنا، وأن يُحترم حقنا في التعبير عن معاناتنا، وأن يُنظر إلى ما وقع باعتباره جزءاً من تاريخ يجب كشفه وفهمه، لا عبئاً ينبغي التخلص منه.
فآثار التعذيب التي لا تزال بادية على أجسادنا ليست حكايات عابرة، بل شواهد حية على ما تعرضنا له. إنها تتحدث قبل أن تنطق ألسنتنا، وتذكّر بأن وراء كل شهادة إنساناً سُلبت حريته، وأُهينت كرامته، وحُمل على العيش مع ذاكرة لا يستطيع محوها بقرار سياسي أو بتصريح صحفي.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كان الضحايا قد سامحوا أو تجاوزوا، بل ما إذا كانت الدولة والمجتمع قد استخلصا الدروس الضرورية من تلك المرحلة، وما إذا كانت ضمانات عدم التكرار قد أصبحت واقعاً ملموساً، أم أنها ظلت شعارات معلقة على جدار المصالحة.
فهل طوينا صفحة الماضي حقاً، أم أن الجلادين ما زالوا يريدون طيّها على مقاسهم، بحيث يحتفظون بمواقعهم، ويُحرم الضحايا من أصواتهم، وتبقى الحقيقة رهينة صمت لم يعد مقبولاً؟














