بعد صدور القانون رقم 64.23.. الجهوية أمام امتحان الحكامة والكفاءة وإنصاف الموارد البشرية
لم يعد الحديث عن مستقبل الوكالات الحضرية مجرد نقاش حول إعادة توزيع الاختصاصات أو تغيير البنية المؤسساتية. فصدور الظهير الشريف رقم 1.26.63 بتاريخ 28 يوليوز 2026، القاضي بتنفيذ القانون رقم 64.23 المتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير و الإسكان، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يفترض أن تتجاوز منطق الانتقال الإداري إلى أفق أوسع عنوانه: إعادة بناء مرفق عمومي جهوي حديث، فعال، عادل و قريب من المواطن.
و هنا تحديداً تكمن لحظة الحقيقة.
فالسؤال لم يعد فقط: كيف ستنتقل الوكالات الحضرية إلى مؤسسات جهوية جديدة؟ بل أصبح أكثر عمقاً: أي مؤسسات نريد أن نبني؟ وبأي فلسفة للحكامة؟ وبأي معايير لتدبير المسؤوليات؟ وما الموقع الذي ستحتله الموارد البشرية في هذا التحول؟
ذلك أن تغيير الهياكل لا يعني بالضرورة تغيير الثقافة المؤسساتية، و إعادة توزيع الاختصاصات لا تعني تلقائياً تحسين الأداء، و إحداث مؤسسات جديدة لا يضمن وحده تجاوز الاختلالات التي راكمتها المرحلة السابقة.
– من الجهوية الإدارية إلى الجهوية الفعلية
الجهوية ليست مجرد توسيع للمجال الترابي للمؤسسة، ولا مجرد نقل بعض الاختصاصات من المركز إلى الجهات.
فالجهوية الحقيقية تقتضي إعادة التفكير في طريقة اتخاذ القرار، وفي العلاقة بين المركز والجهة، وفي كيفية تنزيل السياسات العمومية وفق خصوصيات المجالات وحاجيات المواطنين.
ولهذا، فإن الوكالات الجهوية للتعمير و الإسكان مطالبة بأن تكون أكثر من مجرد صيغة مؤسساتية جديدة؛ عليها أن تكون تعبيراً عن تحول فعلي في فلسفة التدبير، يجعل من القرب والنجاعة والابتكار والعدالة المجالية مرتكزات أساسية للعمل العمومي.
فالجهة ينبغي أن تصبح فضاءً لصناعة القرار الترابي، و ليس مجرد حلقة إضافية في سلسلة إدارية طويلة.
وهذا يفرض، قبل كل شيء، وضوح الاختصاصات، وتحديد المسؤوليات، ومنع التداخل بين المؤسسات والمتدخلين، وإرساء آليات حقيقية للتنسيق والمساءلة وتقييم النتائج.
– التعمير و الإسكان.. وحدة المؤسسة لا تعني وحدة الوظائف
إن الجمع بين التعمير و إعداد التراب و الإسكان ضمن هندسة مؤسساتية جهوية واحدة يحمل إمكانات مهمة، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة حقيقية حول طبيعة العلاقة بين هذه المجالات.
فالتعمير وإعداد التراب يرتبطان بالتخطيط المجالي و الاستثمار و البيئة والنقل والتجهيز والتنمية الاقتصادية و الاجتماعية، بينما يرتبط قطاع السكن بأبعاد اجتماعية و اقتصادية و قطاعية متعددة.
ومن ثم، فإن نجاح النموذج الجديد يتطلب هندسة دقيقة للأدوار، حتى لا تتحول وحدة المؤسسة إلى تعدد في الاختصاصات و تداخل في المسؤوليات.
فالرهان ليس في جمع الملفات تحت سقف مؤسساتي واحد، وإنما في خلق انسجام حقيقي بينها، بما يجعل المؤسسة قادرة على إنتاج رؤية مجالية متكاملة بدل إعادة إنتاج التجزئة بوسائل جديدة.
– الإنسان.. الحلقة التي لا يمكن تجاوزها
قد تبدو القوانين و الهياكل و الاختصاصات هي العنوان الأبرز للإصلاح، لكن الحقيقة أن أي مؤسسة لا تستطيع أن تنجح من دون الإنسان الذي يحملها إلى الواقع.
ومستخدمو الوكالات الحضرية ليسوا مجرد موارد بشرية ستنتقل من مؤسسة إلى أخرى، بل هم تراكم مهني و مؤسساتي يمتد لعقود، ويضم خبرات وكفاءات في مجالات التعمير والتخطيط والهندسة والتدبير والمواكبة المجالية.
وهذا الرأسمال البشري هو أحد أهم شروط نجاح التحول الجديد.
لذلك، فإن أي إصلاح يتجاهل أو يؤجل معالجة أوضاع الموارد البشرية سيكون إصلاحاً ناقصاً مهما كانت قوة النصوص والهياكل.
ومن أبرز الملفات التي لم يعد من الممكن تأجيلها ملف النظام الأساسي، الذي ظل ينتظر الحل لأزيد من ربع قرن.
لقد أصبح من الضروري الانتقال إلى نظام أساسي حديث و موحد وعادل، يضمن وضوح المسارات المهنية، و تكافؤ الفرص، وعدالة الترقي، و الإنصاف في التعويضات و المنح، والحماية الاجتماعية، و التقاعد، والخدمات الاجتماعية، و الحقوق والحريات النقابية.
المطلوب ليس نظاماً أساسياً جديداً بالاسم فقط، و إنما عقد مهني جديد يعيد بناء الثقة بين المؤسسة ومواردها البشرية، ويجعل الاستحقاق و الكفاءة أساساً للتطور المهني.
– المسؤولية ليست امتيازاً.. بل تكليف ومحاسبة.
من الملفات التي ستشكل اختباراً حقيقياً للمرحلة الجديدة طريقة تدبير المسؤوليات. فالمؤسسات الجديدة لا يمكن أن تُبنى بعقلية قديمة في اختيار المسؤولين.
لقد أصبح من الضروري أن تكون الكفاءة و الخبرة و النزاهة والاستحقاق و القدرة على تحقيق النتائج هي المعايير الحقيقية للولوج إلى مناصب المسؤولية، بعيداً عن المحاباة والزبونية وكل الاعتبارات التي لا علاقة لها بمصلحة المؤسسة.
ولا يعني ذلك إقصاء الخبرة المتراكمة، بل على العكس؛ المطلوب هو الجمع بين الخبرة والتجديد، وبين التراكم المهني وطاقات الجيل الجديد.
فالمسؤولية ليست امتيازاً شخصياً، وإنما تكليف عمومي يرتبط بالنتائج والمحاسبة.
هل تستطيع المؤسسات الجديدة استعادة الكفاءات التي غادرت؟
هذا سؤال لا ينبغي أن يُطرح على الهامش.
فالوكالات الحضرية عرفت خلال السنوات الماضية مغادرة عدد من الكفاءات و الأطر نحو قطاعات ومؤسسات أخرى، أو خارج المنظومة، في ظل تراكم عوامل مهنية ومؤسساتية واجتماعية أضعفت جاذبية المؤسسة.
ولا يمكن معالجة هذه الظاهرة بمجرد توظيفات جديدة.
فالاحتفاظ بالكفاءات و استقطابها يبدأ من خلق بيئة مهنية عادلة و محفزة، ومن توفير مسارات واضحة للترقي و التطور، و من الاعتراف بالخبرة، و من فتح المسؤوليات أمام الكفاءات على أساس الاستحقاق.
كما أن المرحلة الجديدة مطالبة بالقطع مع كل الممارسات التي قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الاختلالات السابقة داخل المؤسسات الجديدة.
فلا يمكن بناء مؤسسات حديثة بعقليات الماضي.
ولا يمكن الحديث عن الحكامة بينما يشعر جزء من الموارد البشرية بأن الكفاءة وحدها لا تكفي للوصول إلى المسؤولية.
ومن هنا، فإن إعادة بناء الثقة داخل المؤسسة يجب أن تكون جزءاً من الإصلاح، و ليس نتيجة جانبية له.
إن الانتقال إلى نموذج مؤسساتي جديد بهذا الحجم لا يمكن أن يتم بمنطق القرارات الأحادية.
فالحوار الاجتماعي ينبغي أن يتحول إلى جزء من هندسة المرحلة الانتقالية، و أن يشمل مستقبل المستخدمين، وشروط الإدماج والانتقال، والحقوق والمكتسبات، والنظام الأساسي، والمسارات المهنية، والتمثيلية النقابية والحريات النقابية.
إن إشراك الموارد البشرية في صياغة المرحلة الجديدة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مطلباً نقابياً فقط، وإنما باعتباره آلية مؤسساتية لضمان نجاح الإصلاح.
فمن يعرف المؤسسة من الداخل هو الأقدر على تحديد مكامن القوة والضعف، واقتراح الحلول الواقعية، والتنبيه إلى المخاطر التي قد لا تظهر في النصوص والهياكل.
لا معنى لجهوية تتوسع فيها المؤسسات بينما تظل الخدمات الاجتماعية مركزة أو متفاوتة بين الجهات.
ولهذا، فإن إعادة بناء منظومة الأعمال الاجتماعية يجب أن تكون جزءاً أساسياً من ورش الإصلاح.
الصحة، والترفيه، والاصطياف، والتعليم، والمساعدات الاجتماعية وغيرها من الخدمات، ينبغي أن تصبح متاحة على أساس العدالة المجالية، وألا تختلف فرص الاستفادة منها باختلاف مكان عمل المستخدم.
كما أن ملف السكن يستحق معالجة خاصة.
فليس من المنطقي أن تعمل مؤسسات عمومية في صلب قضايا التعمير والإسكان، بينما يجد أطرها ومستخدموها أنفسهم أمام صعوبات حقيقية في الولوج إلى سكن لائق.
ولهذا، فإن المرحلة الجديدة يمكن أن تشكل فرصة لإطلاق برامج أو آليات مؤسساتية للسكن، سواء من خلال التمويل والتسهيلات أو الشراكات مع المؤسسات والفاعلين العموميين و الخواص.
لا يمكن أن تتحقق العدالة المجالية في الخارج إذا لم تكن حاضرة داخل المؤسسة نفسها.
فالعدالة في توزيع الموارد، والكفاءات، والإمكانيات، والمسؤوليات، وفرص التطور المهني، يجب أن تكون جزءاً من فلسفة الوكالات الجهوية الجديدة.
فالجهوية التي تستحق هذا الاسم هي التي تجعل المؤسسة أقرب إلى المواطن، والقرار أكثر ارتباطاً بالمجال، والخدمة العمومية أكثر جودة، وفي الوقت نفسه تجعل المستخدم أكثر إنصافاً واستقراراً وتحفيزاً.
إن القانون رقم 64.23 وضع إطاراً مؤسساتياً جديداً، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يصنع التحول.
القوانين تضع الإطار، والهياكل تنظم العمل، لكن الإنسان هو الذي يصنع النتائج.
ولهذا، فإن نجاح الوكالات الجهوية للتعمير و الإسكان سيقاس بمدى قدرتها على الجمع بين وضوح الاختصاصات، و الحكامة، والكفاءة، و الاستحقاق، والعدالة المجالية، وإنصاف الموارد البشرية، والحوار الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، فإن المنظمة الديمقراطية للوكالات الحضرية ترى أن المرحلة الراهنة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد نهاية لمرحلة و بداية أخرى، وإنما باعتبارها فرصة لإعادة بناء المؤسسة على أسس جديدة.
وهي تؤكد استعدادها للانخراط في حوار جاد ومسؤول مع مختلف المتدخلين، دفاعاً عن الحقوق والمكتسبات المشروعة للمستخدمين، وفي الوقت نفسه مساهمة في إنجاح ورش إعادة الهيكلة وبناء مرفق عمومي جهوي أكثر فعالية وحكامة وقرباً من المواطن.
نحن أمام لحظة لا تحتمل أن تضيع في التفاصيل الإدارية.
فإذا كان الهدف هو مجرد إعادة توزيع الاختصاصات و تغيير الهياكل، فإن الإصلاح سيظل ناقصاً.
أما إذا كان الهدف هو بناء مؤسسات جهوية جديدة فعلاً، فإن المطلوب هو أكثر من ذلك بكثير: إعادة بناء الثقة، واستعادة الكفاءات، وتكريس الاستحقاق، و تحديث الحكامة، وإنصاف الموارد البشرية، و ربط المسؤولية بالمحاسبة و النتائج.
إن الوكالات الجهوية للتعمير و الإسكان مطالبة بأن تكون نموذجاً لمرفق عمومي حديث، قوي بكفاءاته، واضح في اختصاصاته، عادل في تدبيره، وقريب من المواطن.
والتحدي الحقيقي هو أن ننتقل من إعادة ترتيب المؤسسات إلى إعادة بناء المؤسسة، ومن تغيير الهياكل إلى تغيير ثقافة التدبير، ومن تدبير الموارد البشرية إلى الاستثمار في الإنسان، ومن منطق المحافظة على الموجود إلى منطق صناعة المستقبل.
فالمرفق العمومي لا تصنعه النصوص وحدها، و لا الهياكل وحدها، و إنما تصنعه الكفاءات التي تعمل داخله، والثقة التي تجمعها بمؤسستها، والعدالة التي تحكم علاقاتها المهنية، والنتائج التي تقدمها للمواطن.
فإما أن تكون الوكالات الجهوية الجديدة بداية لمرحلة مؤسساتية جديدة، أو أن تتحول الجهوية إلى مجرد عنوان جديد لممارسات قديمة.
والاختيار اليوم ليس بين شكلين إداريين، بل بين ثقافتين في تدبير المرفق العمومي: ثقافة الماضي، وثقافة مؤسسة حديثة يكون فيها القانون فوق الاعتبارات، والكفاءة فوق الولاءات، والاستحقاق فوق الانتماءات، والمصلحة العامة فوق كل اعتبار.
ذلك هو التحدي الحقيقي، وتلك هي لحظة الحقيقة.















