في سابقة سياسية وإعلامية لافتة، توجه عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الذي يتربع اليوم على مقاعد المعارضة البرلمانية، بمراسلة إلى جلالة الملك محمد السادس يستفسر فيها عما جرى في أحداث سبتة ومليلية:
ماذا وقع بالضبط؟ وكيف وقع؟ ولماذا وقع؟ ومن يقف وراءه؟ ومن دبّره؟ ولماذا تزامنت هذه الأحداث مع يوم وطني يخلده المغاربة، داخل الوطن وخارجه، هو عيد العرش؟
خرجت هذه المبادرة بعبارة دالة نطق بها بنكيران نفسه: “خصنا نعرفو أشنو واقع”، لتتناقلها عدة صحف مغربية، ومن المرجح أن تلتقطها أيضا وسائل إعلام دولية، خصوصا الإسبانية منها.
بصراحة، لم نتعود من زعماء الأحزاب السياسية في المغرب أن يستفسروا عاهل البلاد مباشرة عن حدث أو قضية وطنية بهذا الشكل العلني.
وهذا وحده يستحق أن يُسجَّل: ما قام به بنكيران فعل محمود وتُحسب له مبادرته، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع توقيته أو أسلوبه.
فحين يصمت الجميع، يصبح من يكسر الصمت صاحب موقف، بصرف النظر عن حساباته السياسية الخاصة.
وما يثير أكثر من علامة استفهام، في الحقيقة، ليس سؤال بنكيران بقدر ما هو صمت الأطراف المعنية بالإجابة عنه: صمت الحكومة، وصمت ناطقها الرسمي، وصمت الوزير المكلف بالتواصل الحكومي، بل وصمت الناطق الرسمي باسم الديوان الملكي أيضا. أربع جهات، كل واحدة منها كان بإمكانها أن تقدم عنصرا من الجواب، اختارت جميعها ألا تقول شيئا، تاركة الساحة لتضارب الروايات والتكهنات، في وقت كان المغاربة في أمس الحاجة إلى رواية رسمية واحدة يطمئنون إليها.
ولأن الحكومة لا تتواصل، ولأن رئيسها لا يتواصل، أو لا يعرف كيف يتواصل، أو ربما يخشى التواصل، كان من الطبيعي أن يبحث بنكيران عن جهة أخرى قادرة دستوريا على ملء هذا الفراغ، فوجدها في الديوان الملكي.
قد يرى البعض في هذه الخطوة تجاوزا لحدود الاختصاصات الدستورية، أو نوعا من التطاول على مجال محفوظ لجلالة الملك.
لكن الأقرب إلى الصواب أن ما قام به بنكيران، وإن كان غير معتاد في المشهد السياسي المغربي الحالي، يبقى عملا عاديا ومحمودا في جوهره، بل يعيد إلى الأذهان زمنا كان فيه الزعماء السياسيون المغاربة يمارسون هذا النوع من المساءلة الوطنية بوصفه جزءا من دورهم الطبيعي: علال الفاسي، وعبد الرحيم بوعبيد، والمهدي بن بركة، ومحمد بوستة، ومحمد بنسعيد آيت إيدر.
هؤلاء جميعا، على اختلاف مشاربهم الإيديولوجية، كانوا يعتبرون مساءلة السلطة عن مصير الوطن واجبا لا تهمة.
اليوم، وفي غياب إجابات واضحة عن سبتة ومليلية، يبقى السؤال الذي طرحه بنكيران معلقا في الفضاء العمومي، بانتظار من يملك الجرأة على الإجابة عنه.















