عرفت السينما المغربية خلال السنوات الأخيرة تحولات أعادت ترسيخ مكانتها في المجال الثقافي، إذ لم تعد تقتصر على الترفيه والمتعة، بل أصبحت مساحة تعكس تحولات المجتمع وتساهم في تشكيل الوعي والذوق العام. وبين تطور الإنتاج الوطني والتحول الرقمي واستمرار الدعم العمومي، يواصل الفن السابع أداء أدوار تتجاوز شاشة العرض إلى التأثير في الحياة الثقافية.
صناعة جمهور جديد
لم يعد نجاح الفيلم المغربي رهينا بمستواه الفني فقط، بل أصبح مرتبطا أيضا بقدرته على الوصول إلى الجمهور. فوسائل التواصل الاجتماعي حولت الترويج السينمائي إلى جزء من التجربة نفسها، إذ تسبق الإعلانات والمقاطع الترويجية عرض الفيلم، وفي كثير من الأحيان تخلق نقاشا حوله، مما يدفع فئات واسعة خاصة الشباب، إلى خوض تجربة المشاهدة داخل القاعات. ويعكس هذا التحول انتقال العلاقة بين السينما والجمهور من علاقة موسمية إلى تفاعل مستمر يبدأ في الفضاء الرقمي، وهو ما ساهم في تعزيز حضور الفيلم المغربي واستعادة جزء من جمهوره.
ومن جهتها، أوضحت فاطمة الزهراء بولحية، وهي شابة عشرينية من مدينة الجديدة، أن السينما تمثل بالنسبة إليها متنفسا يخفف من روتين العمل والضغط اليومي، معتبرة أن أجواء القاعة السينمائية والشاشة الكبيرة تمنح تجربة مختلفة لا يمكن أن تعوضها المشاهدة عبر التلفاز.
وأوضحت أنها اختارت متابعة فيلم “Casa Guira” للمخرج عمر لطفي بعد أن أثارتها الحملات الإعلانية على مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى رغبتها في اكتشاف الظهور السينمائي الأول لصانع المحتوى إلياس المالكي، مؤكدة أن التجربة كانت إيجابية.
وأضافت أن إغلاق القاعة السينمائية الوحيدة بمدينة الجديدة دون تقديم توضيحات يدفعها إلى التنقل للدار البيضاء لمتابعة جديد الأفلام، معربة عن أملها في إعادة فتح قاعات بالمدينة، لأن متعة الفرجة داخل القاعة السينمائية تظل تجربة لا تعوضها الشاشات المنزلية.
أزمة القاعات وأثرها الاجتماعي
تكشف شهادة فاطمة الزهراء أن إنتاج الأفلام وحده لا يكفي لترسيخ الثقافة السينمائية، فوجود القاعات يظل الحلقة الأساسية التي تربط العمل الفني بجمهوره. ورغم الجهود المبذولة لتطوير البنية السينمائية، فإن استمرار غياب أو إغلاق القاعات في عدد من المدن يحد من انتشار الثقافة السينمائية، ويجعل الاستفادة من الإنتاج الوطني مرتبطة بالموقع الجغرافي أكثر من ارتباطها باهتمام المواطنين بالفن السابع. ولا يقتصر هذا الغياب على صعوبة متابعة الأفلام الحديثة، بل يمتد إلى تقليص فرص تواصل الفئات الشابة مع الفضاءات التفاعلية التي تساهم في تعزيز الهوية الثقافية.
وتبرز هذه الإشكالية من خلال نموذج “سينما الريف” بمدينة مرتيل؛ فهذه القاعة التاريخية كانت متنفسا حافلا بالأنشطة والمتفرجين، وحاضنة لتظاهرات فنية كـ”مهرجان مرتيل السينمائي للفيلم المغربي والإيبيرو-أمريكي” الذي استقطب المخرجين والممثلين من مختلف دول العالم. ولم تكن القاعة مجرد شاشة لمشاهدة الأفلام، بل كانت فضاء يستضيف أوراش المسرح، وساهمت في تطوير المواهب، وغحتضان مسابقات كمسابقة “مواهب الساحل”، وإتاحة فرصة ببشباب والتلاميذ للمشاركة في لجان تحكيم الشباب.
وفي هذا السياق، صرحت حفصة الشادلي، وهي من أبناء مدينة مرتيل، مستحضرة الفترات الأخيرة لسينما الريف، بأن سنة 2013 شهدت أواخر أيام القاعة قبل إغلاقها النهائي سنة 2014، موضحة أن القاعة في تلك الفترة كانت تُعقد فيها نشاطات الأندية السينمائية والمهرجانات كمهرجان مرتيل للسينما المتوسطية. وأكدت أن الإغلاق النهائي لسينما الريف عام 2014 وتوقف الفضاءات الثقافية الأخرى مثل دار الشباب لم يكن مجرد توقف لخدمة سينمائية أو ترفيهية، بل شكل صدمة للذاكرة الجماعية لجيل الشباب وللآباء والأجداد الذين كانوا يرون في هذه القاعة التي تأسست في عهد الحماية الإسبانية رمزا عريقا وطقسا أسبوعيا يجمع العائلات، حيث كانت في فترة التسعينيات وبداية الألفية تعرض الأفلام كجميع القاعات السينمائية بالمغرب.
وأضافت حفصة أن القاعة كانت تحتضن عروض الأندية السينمائية، خاصة وأن جامعة عبد المالك السعدي وتحديدا كلية الآداب بمرتيل تضم شعبة السينماتوغرافيا، فكانت القاعة تمكن الطلبة من عقد أنديتهم، فضلا عن استضافتها لمهرجان مرتيل للسينما المتوسطية، مما جعلها شريانا حيويا يزود المنطقة بالثقافة والتربية الجمالية التي أصبحت غائبة اليوم. وأشارت إلى أن هذا الغياب ترك فراغا كبيرا في المشهد الثقافي بالمدينة، حيث تحولت مشاهدة السينما من تجربة جماعية تفاعلية ترتكز على اللقاء والنقاش داخل القاعة المظلمة إلى استهلاك فردي معزول أمام الشاشات الصغيرة للهواتف، وهو أمر يمس مختلف المدن التي فقدت قاعاتها الكلاسيكية.
وتابعت حفصة حديثها مبدية حسرتها على تحول هذه المعلمة التاريخية ذات التصميم المتميز إلى مجرد ذكرى، مشددة على أن إعادة إحياء هذه الفضاءات الثقافية ليس أمرا ثانويا أو رفاهية، بل هو ضرورة ملحة لاسترجاع الحركية الفنية لمرتيل وتجديد علاقة الساكنة بالفن. واسترجعت ذكرياتها مع سينما الريف ودار الشباب سنة 2013 كمتنفسين يربطان الساكنة بالفن والعالم الخارجي في مدينة صغيرة لا تضم متاحف، حيث كان الأطفال يتابعون فيهما العروض المسرحية والأنشطة الترفيهية. وختمت بالإشارة إلى أن دار الشباب ظلت مغلقة لسنوات طويلة قبل خضوعها لإصلاحات وإعادة فتحها مؤخرا، في حين تواصل سينما الريف إغلاق أبوابها، مشيرة إلى أن بعض المبادرات السينمائية البسيطة بدار الثقافة لا تشهد الإقبال الذي كان يتوفر سابقا بدار الشباب، بينما تتجه العروض الكبرى حاليا نحو مسارح المدن المجاورة كمسرح للاعائشة بالمضيق.
إن التداعيات الناجمة عن توقف “سينما الريف” بمرتيل تتجاوز البعد الفني إلى أبعاد مجتمعية؛ فغياب هذا الفضاء الثقافي يطرح تساؤلات حول تقلص فرص التأطير واللقاء الفني التي كانت توفرها القاعة لفائدة المهتمين بالشأن السينمائي والإبداعي. كما يعكس استمرار إغلاق بعض الفضاءات الثقافية تحديا مرتبطا بمدى قدرة المدن على الحفاظ على بنيات تتيح للشباب فرص اكتشاف المواهب وتطوير الاهتمامات الفنية.
السينما والهوية الثقافية
لا يقتصر الدعم العمومي للسينما على تمويل إنتاج الأفلام، بل يساهم في تعزيز حضور هذا الفن باعتباره مجالا للتعبير عن قضايا المجتمع وتنوعه. ويبرز تنوع المشاريع المدعومة، بين الأفلام الروائية والوثائقية والأعمال الأولى للمخرجين، توجها نحو تشجيع الإبداع وإفساح المجال أمام رؤى جديدة تعكس تحولات المجتمع، بما يجعل السينما وسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية وإنتاج خطاب ثقافي يعبر عن الهوية المغربية.
وفي هذا الصدد، يرى المخرج السينمائي حمزة الدقون أن السينما المغربية ساهمت في إبراز غنى الهوية الوطنية من خلال تناولها لقضايا المجتمع، وتوثيقها للعادات والتقاليد واللهجات والتنوع الثقافي الذي يميز المغرب، كما منحت مساحة للتعبير عن الذاكرة الجماعية والتحولات الاجتماعية، مما جعلها مرآة تعكس واقع الإنسان المغربي وتفتح حوارا مع ثقافات العالم.
وفي حديثه عن خصوصية المجتمع في إبداعه الفني، يوضح الدقون حرصه على تقديم شخصيات تنتمي إلى البيئة المغربية بكل تفاصيلها الإنسانية، مع الاهتمام بالأماكن المحلية، واللغة، والعلاقات الاجتماعية، والقيم التي تميز المجتمع المغربي، إلى جانب سعيه إلى معالجة قضايا معاصرة تنطلق من الواقع المحلي، مع الحفاظ على البعد الإنساني الذي يجعل الفيلم قريبا من مختلف الجماهير.
وحول أثر الفن السابع في تشكيل الوعي، يشير المخرج المغربي إلى أن السينما تمتلك قدرة كبيرة على تشكيل الصورة الذهنية عن المغرب، سواء لدى الجمهور المحلي أو الدولي، فعندما تقدم أعمالا صادقة وعالية الجودة، فإنها تُعرف العالم بثقافتنا وتنوعنا، وتُسهم في تصحيح الصور النمطية، كما تعزز لدى المغاربة أنفسهم الشعور بالانتماء والاعتزاز بهويتهم وتراثهم الثقافي، متطلعا إلى النظر للسينما كأداة للحفاظ على الذاكرة وبناء الوعي الثقافي وليست مجرد وسيلة للترفيه.
السينما المغربية وحضورها الدولي
أصبح حضور السينما المغربية يتجاوز الجمهور المحلي، من خلال مشاركاتها في المهرجانات الدولية واستمرار استقطاب المغرب لإنتاجات سينمائية أجنبية، وهو ما يعزز مكانة المملكة داخل المشهد السينمائي العالمي.
ويبرز المهرجان الدولي للفيلم بمراكش كنموذج رائد لهذا الإشعاع، إذ يشكل منصة عالمية تجميع كبار صناع السينما من مختلف دول العالم، وتضع الإبداع المغربي في قلب الحوار السينمائي الدولي. ولا يقتصر هذا الحضور على البعد الفني، بل يساهم أيضا في التعريف بالثقافة المغربية وتقديم صورة تعكس غناها، لتتحول السينما إلى إحدى وسائل الإشعاع الثقافي للمغرب.
وبذلك يظل مستقبل السينما المغربية مرتبطا بمدى قدرتها على التأثير الفعلي، إذ لن يتحدد بعدد الأفلام المنتجة، بل بقدرتها على الوصول إلى كل المغاربة، وإعادة الحياة إلى القاعات، وتحويل مشاهدة الفيلم إلى متعة ثقافية يومية لأن السينما التي لا تجد جمهورا لا تستطيع أن تصنع أثرا ثقافيا مهما بلغت جودة إنتاجها.















