هناك من المثقفين من يجيبون عن أسئلة عصرهم وهناك من يصوغ أسئلة جديدة، وينتمي إدريس كسيكس إلى الفئة الثانية، هو الشخص الذي لا يبحث عن إجابات جاهزة.
ولد إدريس كسيكس سنة 1968 بمدينة الدار البيضاء، في أسرة جذورها من مدينة فاس، وكان الابن البكر والولد الوحيد بين أختين. درس الأدب الإنجليزي، غير أن المسرح كان نافذته الأولى إلى الثقافة، متأثرا بخاله المخرج نبيل لحلو. وهناك تشكلت عنده قناعة أن الأدب لا يقتصر على جمال اللغة، بل يكشف ما تخفيه العلاقات الإنسانية، وأن المسرح ليس خشبة للفرجة فقط، بل فضاء لفهم الواقع.
بدأ مساره المهني سنة 1993 في صحيفة «ليبراسيون»، قبل أن ينتقل إلى «الجورنال» سنة 1997، حيث وجد فضاء يجمع بين الشأن السياسي والاهتمام الثقافي. ثم التحق بمجلة «تيل كيل» وتولى لاحقا رئاسة تحريرها. ولم يكن انتقاله بين هذه المنابر بحثا عن موقع مهني جديد، بقدر ما كان بحثا عن مساحة أوسع للكتابة التي تقترب من المجتمع، وتقرأ تحولاته.
حيث، ينتمي كسيكس إلى جيل من المثقفين المغاربة الذين برزوا مع نهاية تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، حين بدأت الصحافة المستقلة والثقافة النقدية تبحثان عن لغة جديدة لفهم المجتمع المغربي. لم يعد دور المثقف، بالنسبة إلى هذا الجيل إنتاج المعرفة داخل الجامعة أو الكتاب فقط، بل نقلها إلى الفضاء العمومي، وتحويلها إلى موضوع للنقاش عبر الصحافة والبحث الأكاديمي.
في هذا السياق جاءت تجربة «نيشان» سنة 2006، التي شغل فيها منصب مدير للنشر، وقد كانت تجربة راهنت على الاقتراب من مناطق ظلت بعيدة عن النقاش العمومي. وعندما تفجرت القضية القضائية المرتبطة بنشر ملف حول النكت، لم يكن الأمر مجرد متابعة قضائية، بل تحول إلى لحظة مفصلية في النقاش المغربي حول حرية التعبير وحدودها، وجعل اسم إدريس كسيكس في صلب ذلك الحدث. ومنذ ذلك الحين ارتبط حضوره في المشهد الثقافي بصورة المثقف الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يختبر باستمرار الحدود التي تفرض على الكلمة.
غير أن الصحافة لم تكن المجال الوحيد الذي عبر من خلاله عن هذا التصور. ففي المسرح وجد لغة أخرى للاقتراب من الإنسان، وفي البحث الأكاديمي أدوات أكثر صرامة لفهم البنيات الاجتماعية والثقافية، بينما ظلت الصحافة تمنحه احتكاكا مباشرا مع الوقائع اليومية.
وهكذا لم تكن هذه المسارات المتعددة متجاورة، بل متكاملة يكمل كل واحد منها الآخر، ويمنح الكتابة أفقا أوسع من حدود الجنس الذي تنتمي إليه.
لهذا تبدو تجربة إدريس كسيكس أكبر من مجموع المناصب التي شغلها أو المؤسسات التي مر بها. فقيمتها الحقيقية تكمن في الطريقة التي جعل بها الثقافة والصحافة والمسرح والبحث الأكاديمي تتقاطع داخل مشروع فكري واحد، مشروع ينظر إلى الكتابة باعتبارها ممارسة نقدية، وإلى الثقافة بوصفها شكلا من أشكال المشاركة في فهم المجتمع وإعادة التفكير في تحولاته.
وربما لهذا السبب يصعب اختزال إدريس كسيكس في صفة صحفي أو باحث أو كاتب مسرحي. فهو، قبل كل شيء، مثقف اختار أن يعبر بين هذه المحطات المختلفة دون أن يفقد خيطه الناظم: الإيمان بأن الكلمة لا تكتسب قيمتها لأنها تقول ما يعرفه الجميع، بل لأنها تفتح أفقا جديدا لرؤية ما لم يكن ينتبه إليه أحد.















