تحولت مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان إلى إحدى أبرز بؤر النزوح في السودان مع استمرار تدفق الفارين من المعارك، بينما تتسع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والاستجابة المتاحة، في وقت يحذر فيه برنامج الأغذية العالمي من تقليص مساعداته الغذائية بسبب نقص التمويل، مما يهدد حياة مئات الآلاف من النازحين.
وأكد ممثل برنامج الأغذية العالمي أن البرنامج لم يعد قادراً على تقديم سوى نصف الحصة الغذائية المقررة للنازحين، بعدما أدى تراجع التمويل الدولي إلى تقليص عملياته، محذراً من أن استمرار هذا الوضع سيزيد من معاناة مئات الآلاف الذين يعتمدون على المساعدات، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية التي تعصف بالمنطقة.
ومن مدينة الأبيض، أوضح مراسل الجزيرة أسامة سيد أحمد أن المشاهد داخل أكبر مخيمات النازحين تعكس حجم الأزمة الإنسانية، حيث تصطف مئات الأسر في طوابير طويلة للحصول على المساعدات، بينما تواصل جهات إنسانية توزيع الناموسيات للحد من انتشار الأمراض مع موسم الأمطار، في محاولة لتخفيف معاناة النازحين الذين فقدوا كل شيء.
وأضاف المراسل أن المخيم، الذي يؤوي أكثر من 7 آلاف أسرة، شهد خلال الأيام الماضية زيارة ممثل برنامج الأغذية العالمي، الذي اطلع ميدانياً على تزايد الاحتياجات الغذائية، مؤكداً أن البرنامج لن يتمكن من تلبية سوى احتياجات نصف المستفيدين بسبب نقص التمويل المخصص لعملياته، في ضربة جديدة للآلاف الذين يعتمدون على هذه المساعدات للبقاء على قيد الحياة.
وكشفت مفوضية العون الإنساني بولاية شمال كردفان أن عدد النازحين في مدينة الأبيض يقدر بنحو مليون و200 ألف شخص، لا يتلقى منهم سوى 400 ألف مساعدة غذائية، فيما يبقى نحو 800 ألف آخرين خارج مظلة الدعم، رغم تزايد احتياجاتهم الأساسية، في أرقام تكشف عن حجم الكارثة الإنسانية التي تعيشها المدينة.
وتواصل المدينة استقبال موجات نزوح جديدة من جنوب وغرب كردفان، إذ وصلت إليها منذ مارس الماضي أكثر من 11 ألف أسرة، تضم نحو 60 ألف نازح، في ظل نزوح قرى كاملة هرباً من المعارك، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المخيمات والخدمات الإنسانية التي باتت غير قادرة على استيعاب هذا التدفق البشري المتواصل.
وتجسد النازحة فاطمة جانبا من هذه المعاناة، إذ تروي أنها أمضت 4 أيام في الطريق قبل الوصول إلى المخيم، بعدما تعرضت أسرتها للسلب خلال رحلة النزوح، ولم تتمكن من جلب سوى القليل من الطعام، لتجد نفسها تعتمد على مساعدات محدودة يقدمها نازحون سبقوها إلى المكان، في قصة تكرر نفسها مع آلاف الأسر الفارة من جحيم الحرب.
وفي الجانب الصحي، نقل التقرير عن أحد الكوادر الطبية العاملة داخل المخيم أن الأدوية تصل بصورة متقطعة، لكنها لا تكفي لتغطية الاحتياجات المتزايدة، مع الارتفاع المستمر في أعداد المرضى، بينما تعجز الإمكانات المتوفرة عن مواكبة حجم الطلب على العلاج، مما يهدد بكارثة صحية إضافية في ظل انتشار الأمراض.
ولا تقتصر الأزمة على الغذاء والرعاية الصحية، إذ تواجه المدينة شحاً حاداً في المياه بعد تضرر مصادر الإمداد جراء الهجمات، وتشير تقديرات حكومية إلى عجز يبلغ نحو 70%، بينما لا تغطي الإمدادات الحالية سوى جزء محدود من احتياجات السكان والنازحين، مما يفاقم معاناة الفئات الأكثر هشاشة.
وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات المحكمة الجنائية الدولية من احتمال وقوع “أخطر الجرائم الدولية” في مدينة الأبيض، بعد تصاعد الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية، فيما تؤكد الأمم المتحدة أن العنف المتواصل في كردفان يفاقم حركة النزوح ويزيد الضغوط على المدنيين، داعية المجتمع الدولي إلى تحرك عاجل قبل فوات الأوان.















