على هامش مشاركتي اليوم في المنتدى الوطني الثاني للمدرس ؛ عادت بي الذكرى للتسعينيات من القرن الماضي عندما عشت تجربة منتديات الاصلاح التي انطلقت مع وزير التربية الوطنية أنذاك الاستاذ لحبيب المالكي ؛ بل وكنت فاعلا فيها على مستوى التأطير التربوي والتنظيم الاداري لهذه المنتديات عندما كنت رئيسا لمصلحة الشؤون التربوية وتنشيط المؤسسات التعليمية بنيابة الصخيرات تمارة رفقة الكاتب العام للوزارة حاليا السيد الحسين قضاض الذي كان نائب للوزارة بالصخيرات تمارة (مايقارب أربعة عقود من الزمن)ارتأيت حاليا ان اتناول التجربة بمقاربة واقعية هذه خلاصتها:
التربية بين زمنين من الإصلاح: من منتديات الإصلاح التربوي إلى المنتديات الوطنية للمدرس
يُعدّ قطاع التربية والتكوين في المغرب من أكثر القطاعات التي عرفت نقاشاً مجتمعياً واسعاً منذ الاستقلال. فالتعليم لم يكن مجرد قطاع إداري تدبيري، بل ظلّ دائماً مجالاً تتقاطع فيه رهانات التنمية والعدالة الاجتماعية والهوية الثقافية. ومن بين المحطات التي حاولت إعادة التفكير في هذا القطاع، نجد منتديات الإصلاح التربوي التي شهدها المغرب في فترة الوزير لحبيب المالكي، ثم في الزمن الراهن المنتديات الوطنية للمدرس التي أطلقت في عهد الوزير محمد سعد برادة. وبين التجربتين مسافة زمنية طويلة، لكنها أيضاً مسافة فكرية ومؤسساتية تكشف الكثير عن طبيعة التحولات التي يعرفها هذا القطاع.
هذه المقالة لا تسعى إلى مجرد المقارنة بين مبادرتين تنظيميتين، بل إلى تفكيك فلسفة الإصلاح التربوي في المغرب: كيف كان يُفكر في الإصلاح سابقاً؟ وكيف يُفكر فيه اليوم؟ وما الذي تحقق فعلاً، وما الذي ظلّ مجرد خطاب إصلاحي يتكرر في كل مرحلة؟
أولاً: منتديات الإصلاح في زمن لحبيب المالكي
لحظة البحث عن تعاقد مجتمعي حول المدرسة
جاءت تجربة منتديات الإصلاح التربوي في نهاية تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة، في سياق تاريخي خاص. فقد كان المغرب آنذاك يعيش مرحلة سياسية جديدة عنوانها الانتقال الديمقراطي النسبي وبداية حكومة التناوب، كما كان النقاش حول المدرسة المغربية قد بلغ درجة عالية من القلق المجتمعي بسبب تدهور الجودة وتفاقم الهدر المدرسي وضعف المردودية.
في ذلك السياق، لم يكن التعليم مجرد قطاع يحتاج إلى إصلاح إداري، بل كان يُنظر إليه باعتباره قضية وطنية كبرى. ولذلك جاءت المنتديات كفضاءات للنقاش العمومي الواسع، شارك فيها:
أساتذة وباحثون جامعيون
نقابات تعليمية
جمعيات مدنية
فاعلون تربويون
خبراء في السياسات العمومية
كانت الفكرة الأساسية لهذه المنتديات تقوم على إشراك المجتمع في التفكير في مستقبل المدرسة، وهو ما انسجم مع روح تلك المرحلة التي شهدت إطلاق الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999.
لقد كانت تلك المنتديات محاولة لصياغة ما يمكن تسميته بالعقد التربوي الوطني، أي اتفاق واسع حول المبادئ الكبرى التي يجب أن يقوم عليها إصلاح المدرسة المغربية.
ومن بين أهم القضايا التي نوقشت آنذاك:
تعميم التعليم ومحاربة الهدر المدرسي
إصلاح المناهج والبرامج
تحديث طرق التدريس
تحسين وضعية المدرسين
إدماج التكنولوجيا في التعليم
ترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية في المدرسة
لقد كانت تلك المنتديات تعبيراً عن رغبة في التفكير الاستراتيجي طويل المدى، وليس مجرد تدبير ظرفي لمشكلات القطاع.
لكن رغم هذا النفس الإصلاحي الكبير، فإن ما تحقق على أرض الواقع ظل محدوداً. فالميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي كان يفترض أن يكون خريطة طريق لعشر سنوات من الإصلاح، واجه صعوبات عديدة في التنفيذ، منها:
ضعف الإمكانات المالية
تعقيد البنية الإدارية للقطاع
مقاومة بعض الإصلاحات من داخل المنظومة نفسها
غياب آليات فعالة للتتبع والتقييم
وهكذا تحولت كثير من الأفكار التي ولدت في تلك المنتديات إلى وثائق مرجعية أكثر منها سياسات عملية.
ثانياً: المنتديات الوطنية للمدرس في زمن محمد سعد برادة
من إصلاح المنظومة إلى الاهتمام بالفاعل التربوي
بعد أكثر من عقدين من الزمن، عاد الحديث عن المنتديات من جديد، لكن هذه المرة تحت عنوان مختلف: المنتديات الوطنية للمدرس.
السياق هنا مختلف تماماً. فالمدرسة المغربية مرت خلال العقدين الماضيين بسلسلة من الإصلاحات والبرامج:
البرنامج الاستعجالي
الرؤية الاستراتيجية للإصلاح
القانون الإطار للتربية والتكوين
ورغم كل هذه المبادرات، ما تزال المدرسة تواجه تحديات عميقة تتعلق أساساً بالجودة وبثقة المجتمع في التعليم العمومي.
في هذا السياق ظهرت فكرة المنتديات الوطنية للمدرس، التي تحاول نقل مركز النقاش من المنظومة ككل إلى المدرس باعتباره الفاعل الأساسي في العملية التعليمية.
فالخطاب الإصلاحي الجديد أصبح يركز على أسئلة من قبيل:
كيف يعيش المدرس داخل المنظومة؟
ما هي التحديات المهنية التي يواجهها؟
كيف يمكن تحسين شروط عمله؟
ما هو دوره في تجديد الممارسة التربوية؟
هذه المنتديات تسعى إلى فتح فضاء للحوار المباشر مع المدرسين، وإلى الاستماع إلى تجاربهم وانتظاراتهم.
لكن إذا تأملنا هذه المبادرة بعمق، سنلاحظ أنها تعكس تحولاً في طريقة التفكير في الإصلاح التربوي. فبدلاً من البحث عن مشروع مجتمعي شامل للمدرسة، أصبح التركيز منصباً على تحسين أداء الفاعلين داخل منظومة قائمة أصلاً.
ثالثاً: الفرق بين المنتديات السابقة والحالية
يمكن تلخيص الفارق بين التجربتين في ثلاث مستويات أساسية.
1. اختلاف الفلسفة الإصلاحية
منتديات الإصلاح في زمن المالكي كانت تنطلق من سؤال كبير:
أي مدرسة نريد للمغرب؟
أما المنتديات الوطنية للمدرس اليوم فتنطلق من سؤال مختلف:
كيف نجعل المدرس أكثر فاعلية داخل المدرسة الحالية؟
بعبارة أخرى، كانت المنتديات السابقة تبحث في إعادة بناء المنظومة، بينما تركز المنتديات الحالية على تحسين أداء الفاعلين داخلها.
2. اختلاف طبيعة المشاركين
المنتديات الأولى كانت فضاءات واسعة للحوار المجتمعي، شارك فيها مختلف الفاعلين والباحثين.
أما المنتديات الحالية فهي أقرب إلى لقاءات مهنية موجهة أساساً إلى المدرسين.
3. اختلاف السياق السياسي والمؤسساتي
منتديات الإصلاح جاءت في سياق تأسيسي جديد، حيث كان المغرب بصدد صياغة رؤية وطنية شاملة للتعليم.
أما المنتديات الحالية فتأتي في سياق تدبير إصلاحات متراكمة، حيث أصبحت المدرسة تعيش نوعاً من الإرهاق الإصلاحي الناتج عن كثرة البرامج دون تحقيق التحول المنتظر.
رابعاً: ماذا حققت كل تجربة؟
من الصعب إنكار أن منتديات الإصلاح في زمن المالكي لعبت دوراً مهماً في بلورة الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي ظلّ لسنوات طويلة المرجعية الأساسية للسياسات التعليمية.
لكن في المقابل، فإن ضعف التنفيذ جعل كثيراً من أهداف الميثاق تتحول إلى طموحات غير مكتملة.
أما المنتديات الوطنية للمدرس، فما يزال من المبكر الحكم على نتائجها، لكنها تطرح إشكالية مهمة: هل يكفي التركيز على المدرس وحده لإصلاح المدرسة؟
الحقيقة أن الأزمة التربوية في المغرب أعمق من ذلك بكثير. فهي ترتبط بعوامل متعددة، منها:
الاكتظاظ داخل الأقسام
ضعف التكوين المستمر
هشاشة البنية التحتية في بعض المناطق
إشكالات الحكامة والتدبير
تراجع مكانة المدرسة في المخيال الاجتماعي
ولهذا فإن أي إصلاح يركز على عنصر واحد فقط من المنظومة، مهما كانت أهميته، سيظل إصلاحاً ناقصاً.
خامساً: مأزق الإصلاح التربوي في المغرب
إذا نظرنا إلى تاريخ الإصلاحات التربوية في المغرب، سنلاحظ مفارقة لافتة:
هناك وفرة في الخطط والبرامج، لكن هناك ندرة في التحولات العميقة داخل المدرسة.
لقد أصبح الإصلاح التربوي في كثير من الأحيان سلسلة من المبادرات المتعاقبة التي لا تتراكم بالضرورة فوق بعضها البعض.
كل وزير يأتي بمبادرة جديدة، وكل مرحلة تنتج خطابها الإصلاحي الخاص، لكن المدرسة في النهاية تظل تواجه المشكلات نفسها تقريباً.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي:
ليس في إطلاق منتديات جديدة أو برامج جديدة، بل في تحويل النقاش الإصلاحي إلى سياسات مستقرة وطويلة المدى.
خاتمة
إن المقارنة بين منتديات الإصلاح التربوي في زمن لحبيب المالكي والمنتديات الوطنية للمدرس في زمن محمد سعد برادة تكشف عن تحولات عميقة في طريقة التفكير في المدرسة المغربية.
فإذا كانت المنتديات الأولى قد حاولت بناء رؤية وطنية شاملة لإصلاح التعليم، فإن المنتديات الحالية تبدو أكثر تركيزاً على تحسين شروط الممارسة المهنية للمدرسين.
لكن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها بوضوح هي أن المدرسة المغربية تحتاج إلى ما هو أكثر من المنتديات. إنها تحتاج إلى إرادة سياسية قوية تجعل التعليم فعلاً أولوية وطنية حقيقية، وليس مجرد موضوع يتجدد النقاش حوله مع كل مرحلة إصلاحية.
فالمدرسة ليست فقط فضاءً للتعلم، بل هي المكان الذي يتشكل فيه مستقبل المجتمع. وإذا لم ينجح المجتمع في إصلاح مدرسته، فإنه في النهاية يعجز عن إصلاح ذاته.















