يحدث أن تستيقظ صباحاً على خبر لا تعرف إن كنت ستبكي منه أم ستضحك، فتختار في نهاية المطاف أن تغضب غيرة على هوية بلد بأكمله.
يتعلّق الأمر هذه المرة بوزير، كاتب الدولة مكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، لحسن السعدي، المسؤول الإداري الذي سبق وأن أهدى الفضاء العام عبارته الشهيرة في التبرير السياسي “مهبول أنا”، ليقرر في خرجة جديدة ألا يبخل على المغاربة بمفاجأة من نوع خاص، متمثلة في إهداء صليب مصنوع من خشب العرعار ومحفور بزخارف مغربية أصيلة لراهب يوناني خلال زيارة رسمية.
لم يكن هذا المجسم الديني مجرد قطعة خشبية عادية في ميزان الأعراف، بل جرى تقديمه باعتباره هدية تعبر عن هوية البلد وحضارته وقيمه التاريخية الحاضنة للتنوع.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي يبدو أن القائم على الوزارة لم يجد له مخرجاً تواصلياً، فمنذ متى صارت هذه الرموز الدينية الخاصة تمثل عنوان رسمي لهوية دولة عريقة ومستقلة في اختياراتها الروحية؟
يعرف المغاربة أنفسهم دستورياً وتاريخياً بأنهم شعب ينتمي لدولة عريقة ينص أسمى قوانينها على أن الإسلام هو دينها الرسمي المشترك. وهي الدولة التي تتميز بخصوصية فريدة في الخريطة الإسلامية والعالمية، حيث أنها إمارة للمؤمنين يحكمها أمير المؤمنين بأبعادها الروحية والتاريخية والجامعة، ويفتخر أبناؤها بصفحات التاريخ الوطني التي دونت صيانة الهوية ووقف الزحف في الجناح الغبير للأمة، دون الحاجة لخلط الأوراق السياسية بالعقائدية في المحافل الخارجية.
لكن يبدو أن المسؤول الحكومي، في رحلته الدبلوماسية الأخيرة، تجاوز هذه التفاصيل التاريخية الدقيقة، أو لعله اعتبر الاستعراض الفني للمنتج التقليدي مبرراً كافياً لتجاوز الحساسيات الثقافية.
ففي الوقت الذي يزخر فيه الموروث المغربي بمصاحف مذهبة، وقفاطين أصيلة، وسيوف تقليدية تحكي عبقرية الصانع المغربي، تم اختيار مجسم يحمل رمزية عقائدية حساسة ليقدم كعنوان للحضارة المغربية.
ينقسم المتابعون إزاء المشهد إلى فريقين، حيث يرى المعترضون في الخطوة تجاوز غير مبرر للخصوصية الدينية للمملكة، بينما يدافع آخرون عن السلوك باعتباره يترجم قيم التسامح والتعايش التي يتميز بها المغرب الحاضن لمختلف الثقافات عبر العصور. وفي واقع الأمر، يبدو كلا الطرفين ممسكاً بجزء من الحقيقة ومغفلاً لأجزاء أخرى أكثر أهمية وتأثيراً.
يظل المغرب بلداً نموذجياً في التسامح الديني وحماية دور العبادة للمسيحيين واليهود منذ قرون مضت، كما أن الهدايا الدبلوماسية تندرج غالباً في خانة التحف الفنية العادية.
لكن السؤال المؤسساتي المطروح يتعلق بمدى استشارة الجهات العلمية والبروتوكولية قبل الإقدام على تصدير رموز ذات أبعاد دينية حساسة باسم الدولة، وما قد تثيره من نقاشات وانقسامات حادة وسط الشارع المغربي على منصات التواصل الاجتماعي.
يتذرع بعض المدافعين بفكرة التعددية التاريخية للمنطقة مستشهدين بجذور التعايش القديمة، وهو كلام صحيح من الناحية التاريخية والاجتماعية، لكنه لا يشكل مبرراً سياسياً لتبني رموز دينية معينة وتقديمها كعنوان رسمي للمملكة في المحافل الدولية.
فالتسامح الحقيقي يتجلى في كفالة حرية العبادة والمواطنة الكاملة للجميع، وليس في المبالغة البروتوكولية التي تبدو في عيون الكثيرين كنوع من التودد غير المتكافئ على حساب الهوية الأصلية.
تظهر هذه الممارسات نوعاً من الارتباك التواصلي لدى بعض الفاعلين السياسيين الذين يخلطون بين الانفتاح الحضاري المطلوب وبين الانبطاح الثقافي الذي يفقد المقاولة الحكومية تميزها واستقلاليتها الفكرية. فالدبلوماسية الثقافية الناجحة تتطلب وعياً عميقاً بالرسائل والرموز، لأن الخطأ في اختيار الهدية الرسمية يتحول مباشرة إلى استفزاز مجاني للمشاعر العامة وعقيدة المواطنين المعبر عنها دستورياً.
تكمن العبرة في نهاية المطاف بالنتائج والآثار الإيجابية والسلبية التي تخلفها هذه القرارات الفردية في الفضاء العام، بغض النظر عن النوايا الشخصية لأصحابها.
والنتيجة اليوم تتلخص في خلق حالة من الاستياء والجدل الثقافي الذي كان يمكن تفاديه لو التزم القائمون على الشأن الدبلوماسي والثقافي بالقواعد الرصينة والموروث الوطني الغني، تفعيلاً لدور المسؤول الواعي بأن تمثيل المغرب في الخارج ومكانته كإمارة للمؤمنين يتطلبان الحفاظ على كرامة هويته وثوابته الراسخة.














