يدخل المنتخب المغربي ربع النهائي أمام اختبار حقيقي، حيث يصطدم”بالأسود غير المروضة” في مواجهة يثقل كاهلها تاريخ منحاز بوضوح للكاميرونيين.
فبالنظر إلى سجل المواجهات، نجد تفوقا تاريخيا كاميرونيا؛ إذ التقى المنتخبان في 11 مباراة ، فازت الكاميرون في 6 منها، بينما لم يتذوق المغرب طعم الانتصار إلا في مناسبة وحيدة عام 2018 (2–0)، فيما خيم التعادل على 4 مواجهات.
هذا التفوق الكاميروني الذي تجلى بوضوح في كأس الأمم الإفريقية، لطالما اتسم بالندية المفرطة وقلة الأهداف، مما يجعل مباراة الرباط القادمة بمثابة معركة لتكسير العظام وفك عقدة دامت طويلا أمام خصم لطالما كان “حجر عثرة” في طريق الطموح المغربي.
-سؤال المليون:كيف سيوازن وليد الركراكي بين حاجته الملحة لصلابة سفيان أمرابط البدنية لكبح جماح ‘الإعصار’ الكاميروني، وبين ضرورة الحفاظ على سلاسة بناء اللعب التي يمنحها نائل العيناوي في ظل الغياب المؤثر لصانع الألعاب عز الدين أوناحي؟
أمام تنزانيا، اعتمد وليد على نائل العيناوي كلاعب ارتكاز، ورغم مساهمته في بناء اللعب، إلا أنه بدا “تائها” في التغطية الدفاعية والتحولات؛ لكونه لاعبا يميل للربط (Box-to-Box) أكثر من كونه “كاسحة ألغام”.
أمام قوة بدنية كاسحة كالكاميرون، تصبح عودة سفيان أمرابط ضرورة حتمية.
فالكامرونيون يعتمدون على اختراق العمق باندفاع هائل، وأمرابط هو الوحيد القادر على مجابهة هذا الصدام. صحيح أن “البلدوزر” لديه مشاكل في بناء اللعب تحت الضغط مقارنة بالعيناوي، لكن مؤهلاته الدفاعية ستوفر الحماية اللازمة لرباعي الظهر.
-سؤال الإبداع: في ظل النزيف الإبداعي الذي خلفه غياب أوناحي، هل يمتلك إسماعيل الصيباري الأدوات الفنية اللازمة للتحول من دور “اللاعب المكمل” إلى “صانع الفارق”، أم أن استمرار غياب بصمته الهجومية سيجعل من وسط الميدان المغربي جسدا بلا روح ابتكارية؟
يواجه إسماعيل الصيباري تحديا حقيقيا؛ فرغم منحه الفرصة في جميع المباريات السابقة، لم يقدم حتى الآن الإضافة المرجوة أو التمريرة الحاسمة التي تكسر الخطوط.
ومع ذلك، فإن إصابة أوناحي قلصت الخيارات بشكل حاد، مما يضع الصيباري أمام مسؤولية مضاعفة؛ فإما أن ينتفض ويثبت جدارته في تعويض “المايسترو”، وإما أن يظل الوسط المغربي “باهتا” يفتقد للربط السلس، بانتظار ومضة فردية ابراهيم دياز.
سؤال الهوية: كيف سيواجه الدفاع المغربي “البراغماتية” الكاميرونية التي لا تحتاج للاستحواذ كي تنتصر، وما هي الوصفة التكتيكية للحد من خطورة العرضيات والاندفاع البدني لخصم يجيد اصطياد الأهداف من أنصاف الفرص؟
لا يمكن الاستهانة بالكاميرون حتى في أسوأ حالاتها، فهي تمتلك:
* الاندفاع البدني والشخصية: قدرة فطرية على فرض “الصراع البدني” و إرهاق الخصم ذهنيا.
* سلاح الكرات العرضية: يعتمدون على العرضيات الموجهة للاعبين ذوي قامات فارعة، وهو ما سيمتحن يقظة أكرد وماسينا في الكرات الهوائية.
* الصبر التكتيكي: الكاميرون فريق يترصد الهفوات؛ قد يتراجع ويترك الكرة، لكنه يعاقب بقسوة على أي خطأ في التمرير أو فقدان للتركيز في “الفترات الميتة”.
تشير المعطيات التقنية إلى أننا سنكون أمام “شطرنج كروي”؛ حيث سيحاول الركراكي فرض أسلوب الاستحواذ لامتصاص الحماس الكاميروني، لكن القراءة الواقعية تحذر من “الاستحواذ السلبي” الذي قد يقتل الإيقاع ويخدم مصلحة الخصم.
الكاميرون لا تمانع في التراجع للخلف، بل هي استراتيجية لاستدراج الأسود ومن ثم ضربهم في “المساحات الميتة” خلف الأظهرة.
تكتيكيا، ستكون المباراة معركة “أطراف” بامتياز؛ فمدرب الكاميرون سيحاول عزل الزلزولي ودياز بفرض رقابة ثنائية، مما يفرض على المغرب البحث عن “حلول العمق” عبر التمريرات القصيرة والسريعة لكسر التكتل البدني.
كما أن القراءة للميدان تفرض على الدفاع المغربي الحذر من “الكرات الثانية” (Second Balls)، فالتفوق الكاميروني لا يأتي دائما من جمل تكتيكية، بل من استغلال الارتباك داخل منطقة الجزاء.
العبور يتطلب “برودة أعصاب” مغربية لتفادي الانجرار وراء الاستفزاز البدني الكاميروني، والاعتماد على سرعة التحول لخطف هدف يربك حسابات “الأسود غير المروضة”.
هل حان وقت إسقاط “البعبع” الكاميروني؟
تصل الأسود إلى لحظة الحقيقة أمام خصم لم يكن يوما مجرد منافس، بل كان “عقدة” كروية استعصت على أجيال.
في ظل غياب أوناحي، تتقلص هوامش المناورة ويصبح الرهان على “الروح” والصلابة البدنية فوق كل اعتبار.
هي مباراة لانتزاع الاحترام وفض الاشتباك مع التاريخ؛ فإما أن يؤكد الركراكي تفوق جيله بكسر هذا الحاجز النفسي، وإما أن تظل الكاميرون ذلك الرقم الصعب الذي يوقف طموح المغاربة في منتصف الطريق.















