في المغرب، لا يبدو أن الفساد مجرد ظاهرة معزولة، بل هو جزء من بنية مؤسسية معقدة. الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ”حماية الفساد”، أي حين تُوظّف القوانين، والصمت المؤسسي، والإرادة السياسية الضعيفة، لتوفير درعٍ واقٍ للفاسدين بدلًا من محاسبتهم.
فساد موثَّق دون محاسبة
تقارير المجلس الأعلى للحسابات، وهي من أبرز الهيئات الرقابية في البلاد، تكشف سنويًا عن اختلالات جسيمة في تدبير المال العام. من سوء التدبير إلى التلاعب في الصفقات، إلى غياب الفعالية في التسيير. لكن هذه التقارير لا تُترجم إلى متابعات قضائية حازمة. المسؤولون عن الاختلالات نادرًا ما يُحاسبون، مما يعزز مناخ الإفلات من العقاب.
غياب الشفافية في أموال صندوق كورونا
أنشأ المغرب سنة 2020 “صندوق تدبير جائحة كوفيد-19″، وجُمعت فيه تبرعات بمليارات الدراهم. لكن إلى حدود اليوم، لا توجد محاسبة علنية مفصّلة عن أوجه صرف هذه الأموال، ما يثير شكوكا لدى الرأي العام حول غياب الشفافية في تدبير المال العمومي، حتى في ظل ظرفية صحية حرجة.
المسطرة الجنائية والمادة 3: عائق قانوني أمام المحاسبة
من بين الإشكالات البنيوية التي تُسهم في حماية الفساد قانون المسطرة الجنائية، وخاصة المادة 3، التي تنص على أنه:
“لا يجوز فتح الدعوى العمومية إلا من طرف النيابة العامة أو من طرف المطالب بالحق المدني ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.”
هذا يعني أن تحريك القضايا ضد الفاسدين يبقى حكرًا على النيابة العامة، أو على ضحايا مباشرين. لكن في قضايا الفساد، من الصعب تحديد “ضحية مباشرة”، لأن الضرر يطال المال العام. أما المجتمع المدني، أو الإعلام، أو حتى المؤسسات الرقابية، فلا يحق لها تحريك الدعوى بشكل مباشر. وهنا نجد أن القانون نفسه يتحول إلى أداة لحماية الفاسدين بدلًا من محاسبتهم.
سحب مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع: خطوة إلى الوراء
في سنة 2023، تم سحب مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع من البرلمان، بعد سنوات من النقاش. هذا المشروع كان من المفترض أن يُجرّم ارتفاع ثروات المسؤولين العموميين بشكل غير مبرر. لكن سحبه دون توضيح أو بديل يعكس غياب الإرادة السياسية الحقيقية، ويضرب في الصميم كل خطاب رسمي عن محاربة الفساد.
كما أن سحب هذا النص التشريعي يتنافى مع التزامات المغرب الدولية، خصوصًا اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تلزم الدول بتجريم الإثراء غير المشروع. وهكذا، يبقى المجال مفتوحًا لتراكم الثروات بشكل مشبوه دون مساءلة.
الزبونية بدل الكفاءة
من مظاهر الفساد غير المجرَّم أيضًا، استمرار الزبونية السياسية والمحسوبية في تعيين المسؤولين وتوزيع الصفقات. فالكفاءة والنزاهة لم تعُد شرطًا للوصول إلى مراكز القرار، مما يُفقد الإدارة العمومية فعاليتها، ويُقوّي شبكات الفساد داخل الدولة.
مضايقة المبلّغين عن الفساد بدل حمايتهم
شهد المغرب حالات عدّة لأشخاص كشفوا عن اختلالات وملفات فساد، لكنهم تعرّضوا لاحقًا للطرد أو المتابعة. من هؤلاء مثلًا: القاضي محمد الهيني، والمهندس رشيد الفايزي. هذه الوقائع تبعث برسالة سلبية إلى كل من يفكر في فضح الفساد: اصمت أفضل لك.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من المحاسبة
لا يمكن الحديث عن مغرب جديد أو نموذج تنموي فعال دون:
- تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة.
- إقرار قانون لحماية المبلّغين عن الفساد.
- مراجعة المادة 3 من قانون المسطرة الجنائية.
- إرجاع مشروع قانون الإثراء غير المشروع للبرلمان والمصادقة عليه.
- تفعيل القضاء المستقل دون تعليمات أو انتقائية.
وضعية المغرب في مؤشر الفساد
وضعية المغرب في مؤشر إدراك الفساد (Corruption Perceptions Index – CPI) الصادر عن منظمة الشفافية الدولية (Transparency International) تُظهر استمرار التحديات في مجال النزاهة والشفافية.
آخر تصنيف (2023):
- المرتبة العالمية: 97 من أصل 180 دولة
- النقطة المحصلة: 38/100
كلما اقتربت النقطة من 100، دلّ ذلك على شفافية ونزاهة أكبر
ماذا تعني هذه الأرقام؟
- 38 نقطة تعني أن المغرب يُنظر إليه كبلد يعاني من مستويات مرتفعة من الفساد في القطاع العام.
- تصنيفه لم يتغيّر كثيرًا خلال السنوات الأخيرة، مما يشير إلى جمود في جهود محاربة الفساد، رغم تبني بعض النصوص القانونية والخطابات الإصلاحية.
تفسير المنظمة لهذا الوضع:
في تقارير منظمة الشفافية الدولية، يتم التركيز على عدة عوامل تفسّر وضعية المغرب، منها:
- غياب الشفافية في تسيير المال العام.
- ضعف استقلالية القضاء.
- استمرار الإفلات من العقاب في قضايا الفساد الكبرى.
- تراجع الحريات، خصوصًا حرية الصحافة التي تلعب دورًا مهمًا في كشف الفساد.
- غياب قوانين حازمة لتجريم الإثراء غير المشروع.
تُواجه حكومة عزيز أخنوش، التي تولّت السلطة في أكتوبر 2021، انتقادات متزايدة بشأن تعاملها مع قضايا الفساد، حيث يُتهمها العديد من المراقبين والفاعلين المدنيين بأنها تُسهم في حماية الفساد بدلاً من مكافحته.
سحب مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع
في نوفمبر 2021، سحبت الحكومة مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتعديل مجموعة القانون الجنائي، والذي كان يتضمن مادة تُجرّم الإثراء غير المشروع. بررت الحكومة هذا السحب بضرورة مراجعة شاملة للقانون الجنائي، معتبرة أن مناقشة المشروع بشكل مجزأ غير مجدية. إلا أن هذا القرار أثار جدلاً واسعًا، حيث اعتبره العديد من الفاعلين الحقوقيين والسياسيين تراجعًا عن التزامات المغرب الدولية في مكافحة الفساد، خاصةً اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد .
تعطيل عمل اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد
أعلنت منظمة “ترانسبرانسي المغرب” في يناير 2025 عن تجميد عضويتها في اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد، مشيرة إلى أن اللجنة لم تُعقد اجتماعاتها منذ ثلاث سنوات، رغم أن النظام الأساسي يُلزم بعقد اجتماعين سنويًا على الأقل. واعتبرت المنظمة أن هذا التعطيل يُعكس غياب الإرادة السياسية لدى الحكومة في مكافحة الفساد.
انتقادات من المجتمع المدني والبرلمان
واجهت الحكومة انتقادات من قبل المجتمع المدني وبعض البرلمانيين بسبب ما وصفوه بـ”التطبيع مع مظاهر الفساد”. فقد أشار تقرير إلى أن الحكومة لم تُظهر جدية في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، مما يُثير تساؤلات حول التزامها الحقيقي بهذا الملف.
تداعيات اقتصادية للفساد
أفاد تقرير بأن الفساد يُكلّف الاقتصاد المغربي حوالي 50 مليار درهم سنويًا، مما يُؤثر سلبًا على الاستثمارات والتنمية الاقتصادية. ويُشير التقرير إلى أن الحكومة لم تتخذ إجراءات فعّالة للحد من هذه الظاهرة، مما يُفاقم من تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية.














