يُحكى أن من بين تفاهمات حصار السعودية على قطر عام 2017، أو ما سُمّي بأزمة الخليج، كان إيقاف برنامج “شاهد على العصر” الذي كان يُبث عبر قناة الجزيرة من إعداد وتقديم الإعلامي المصري أحمد منصور.
البرنامج، بأسلوبه الحواري الاستقصائي، استضاف شخصيات لعبت أدوارًا فاعلة في التاريخ المعاصر للدول العربية، من رؤساء حكومات وجمهوريات إلى ضباط في الجيش وفاعلين سياسيين.
وفقًا لما أورده الدكتور أحمد عساف في كتابه “استراتيجيات الإعلام الدولي” الصادر عام 2020، فإن هذا الشرط كان على طاولة المفاوضات بين السعودية وقطر.
كما أكّد هذه الرواية الصحفي المصري محمد حسنين هيكل، الذي سبق له العمل في قناة الجزيرة، وذلك في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز. وأشار إلى أن السعودية سبق أن طلبت من قطر إيقاف البرنامج خلال مفاوضات الصلح عام 2010.
بعد إطلاق الجزيرة منصتها 360، كان “شاهد على العصر” من البرامج الأولى الحاضرة بعودة جديدة مع الصحفي أحمد منصور، مستمرًا في أسلوبه الحواري الاستقصائي.
ورغم ذلك، انتقد كثيرون التجربة، معتبرين أنها لن تنجح بالشكل السابق. لكن القناة راهنت عليها نظرًا لما يعيشه الشرق الأوسط والعالم العربي من نزاعات وأحداث متسارعة، إضافة إلى وجود حقائق تاريخية لم تُكشف بعد وروايات لأشخاص لم يُعرفوا بعد.
أول ضيف في النسخة الجديدة كان الدكتور فاضل العزاوي، مدير المخابرات العراقية السابق وسفير العراق لدى نيودلهي وواشنطن وموسكو، وابن خالة الرئيس الراحل صدام حسين.
وقد أثارت شهادته جدلًا واسعًا وردود فعل قوية في الأوساط السياسية والإعلامية.
انزعاجات سياسية
في تدوينة على إنستغرام، عبّر المحلل السياسي السوري محمد علي حسين، رئيس هيئة المصالحة سابقًا في نظام بشار الأسد، عن استيائه مما ورد في شهادة فاضل العزاوي بشأن دعم سوريا لإيران خلال الحرب العراقية الإيرانية.
واعتبر أن ما قاله العزاوي هو “تشويه للتاريخ”، مؤكدًا أن موقف سوريا كان نابعًا من الخلاف العميق بين حزب البعث العراقي وحزب البعث السوري، وليس كما صوّره الضيف.
وأضاف أن “صدام حسين، منذ أن كان نائبًا للرئيس، شكل تهديدًا حقيقيًا لسوريا، وكانت سياسته سببًا في كثير من التوترات بين البلدين”.
كما علّق محمد علي حسين على قضية الأكراد، معتبرًا أن “الحكم الذاتي الذي منحته العراق لإقليم كردستان كان الشرارة التي أدت إلى كثير من الأزمات اللاحقة في المنطقة”.
وأضاف أن ما ورد في شهادة فاضل العزاوي حول هذا الموضوع يُظهر “نقصًا في قراءة تداعيات الأحداث”، مشيرًا إلى أن القرارات التي اتخذت في تلك الفترة ما زالت تؤثر على المشهد السياسي حتى اليوم.
من جهته، عبّر رئيس لجنة المصالحة الموالية لنظام الأسد عن احترامه لقناة الجزيرة، لكنه انتقد استضافة العزاوي، معتبرًا أن “الاستماع إلى شهادته لا جدوى منه، فهو يبدو ودودًا لكنه يسعى إلى تبرير أفعال النظام السابق”.
الكاتب العراقي طاهر العاني، الذي يعيش في لندن، علّق على قناة أحمد منصور تحت الحلقة الرابعة التي ذكر فيها اسمه، قائلًا: “إن كتابتي لا تصل إلى مستوى الابتدائي، لكن الناس كلها تتابع سكيزوفرانياتك، تدافع عن ابن خالتك ثم تهاجمه حينما يحاصرك الصحافي في الزاوية، وهذا يدل على أنك بحاجة إلى معالجة نفسية.
أما بشأن فاضل البراك، فإن اتهامك له بالخيانة يكشف تناقضك وعدم مصداقيتك. ألم تكن أنت من وشيت به إلى ابن خالتك بسبب المشاكل التي كانت بينكما أثناء عملك كمعاون له في المخابرات؟”
ردود عبر وسائل الاعلام
الجدل لم يتوقف عند وسائل التواصل الاجتماعي، بل امتد إلى الصحافة التقليدية.
ففي 17 يناير، خصصت صحيفة الأهرام المصرية تغطية خاصة للموضوع، من خلال مقابلة مع رشدي كامل، ابن عم حسين كامل، زوج ابنة صدام حسين. علّق رشدي على شهادة فاضل العزاوي قائلاً: “أنتم، أهل صدام، كنتم السبب الرئيسي في هروب ابن عمي، خوفًا من استبداد ذلك الديكتاتور”.
وأضاف أن المقربين من قصر الرئاسة العراقي آنذاك يتحملون مسؤولية الانتهاكات، وليس صدام وحده.
في العدد نفسه، نشر الأكاديمي أحمد عساف، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، مقالًا رأيًا حول عودة “شاهد على العصر” وشهادة العزاوي.
رحّب عساف بعودة البرنامج، معتبرًا أن التجربة قد تكون “أنجح من السابق” بسبب النزاعات التي يشهدها الشرق الأوسط. كما أثنى على صراحة العزاوي رغم الجدل الذي أثارته تصريحاته.
في مقاله، صحّح أحمد عساف معلومة وردت في شهادة فاضل العزاوي، حيث ذكر الأخير أن السلطات المصرية طردته من السفارة والقنصلية العراقية تعسفيًا.
لكن عساف أوضح أن “القرار جاء بضغط من صدام حسين، بعد تصريحاته التي هاجم فيها السادات بسبب زيارته للقدس”.
أما في العراق، فتفاعلت صحيفة “اليوم السابع” مع الجدل، وأجرت مقابلة مع الكاتب والأديب أسعد عزيز التكريتي، الذي أقرّ بأن “صدام قرّب بعض أفراد عشيرته، لكنه لم يعتمد على الطائفة وحدها في الحكم”.
كما أبدى احترامه للعزاوي، لكنه اعتبر أن “حسن نيته لا تعفيه من المسؤولية وهو يدلي بشهادة ستبقى للتاريخ”.
وفي رده على الانتقادات حول موقفه من صدام، قال التكريتي: “هو يدافع عن ابن خالته، لكنه التزم الحدود المسموح بها، وكان واضحًا في مواقفه، سواء خلال غزو الكويت أو في القضايا المصيرية الأخرى”.
ردود الأفعال لم تتوقف عند الصحف والتعليقات، بل وصلت إلى أحمد منصور نفسه، الذي نشر على صفحته في منصة إكس تعليقًا مقتضبًا قال فيه: “لقد قلت لكم إن شاهد على العصر سيعود بقوة، والنجاح يكمن في شخصية البرنامج، والقادم أفضل… انتظرونا”.
ورغم إدراجه سابقًا على قوائم الإنتربول، يواصل منصور تقديم برنامجه متجاوزًا العقبات، ليبقى “شاهد على العصر” صفحة مفتوحة لا تهدأ، تثير الأسئلة بقدر ما تستفز الذاكرة.















