احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، يوم الثلاثاء 7 يوليوز 2026، مناقشة أطروحة الباحث محمد حلمي الشدادي لنيل شهادة الدكتوراه في الآداب، في موضوع: “دور المكون الثقافي في ترجمة قانون الأسرة المغربي”.

وقد جرت المناقشة في أجواء علمية رصينة، أمام لجنة أكاديمية متخصصة، منحت الباحث ميزة مشرف جداً مع التوصية بالنشر، تقديراً لقيمة العمل العلمية والمنهجية، ولأهميته في مجال علم الترجمة القانونية.
وترأس لجنة المناقشة الأستاذ عبد الهادي لمحرف، فيما أشرف على إعداد الأطروحة الأستاذ شكيب البايدي. كما ضمت اللجنة كلا من الأستاذ عمر الكناوي والأستاذة أديبة بكور بصفتهما مقررين، إلى جانب الأستاذ إسماعيل ملوكي بصفته عضواً مناقشاً.
وتندرج هذه الأطروحة ضمن مجال علم الترجمة القانونية التطبيقي، وهو حقل معرفي حديث يقع في تقاطع علوم الترجمة واللسانيات والقانون المقارن. وقد اتخذ الباحث من النسخة الفرنسية الرسمية لمدونة الأسرة المغربية، الصادرة بالجريدة الرسمية عدد 5358 بتاريخ 6 أكتوبر 2005، موضوعا للتحليل والدراسة.
وانطلقت الأطروحة من إشكال دقيق يتمثل في صعوبة نقل مفاهيم قانونية وثقافية متجذرة في الفقه المالكي إلى لغة قانونية فرنسية ذات مرجعية مدنية وعلمانية. فترجمة مدونة الأسرة لا تقتصر، بحسب ما أبرزته الدراسة، على نقل الألفاظ من العربية إلى الفرنسية، بل تثير أسئلة عميقة حول انتقال المعنى القانوني والثقافي والديني بين منظومتين لهما مرجعيتين مختلفتين.
وفي هذا السياق، اقترح الباحث أداة تحليلية أصيلة أطلق عليها اسم مصفوفة التحليل الترجمي القانوني، تهدف إلى رصد التحولات الدلالية والتأويلية التي تطرأ على المفاهيم القانونية عند انتقالها من النص العربي إلى النص الفرنسي.
وقد طبقت الأطروحة هذه الأداة على اثني عشر مفهوما ثقافيا قانونيا من مدونة الأسرة، موزعة على ثلاثة مجالات أساسية: تكوين الرابطة الزوجية، من خلال مفاهيم الزواج والصداق والولاية والإيجاب والقبول؛ وانحلال الرابطة الزوجية، من خلال الطلاق والتطليق والخلع والعدة؛ ثم استمرارية الأسرة، من خلال النسب واللعان والحضانة والفرض.
وكشفت نتائج البحث أن الترجمة الرسمية، رغم وظيفتها القانونية العملية، تنتج أنماطا متعددة من الانزياح المفاهيمي، من بينها تخفيف الحمولة الثقافية والدينية لبعض المفاهيم، وإعادة تشكيل المنطق المعياري للنص الأصلي، فضلا عن وجود تفاوت بين الحمولة القانونية للمصطلح في النص العربي وحضوره في النص الفرنسي.
ومن بين الإضافات العلمية التي اقترحها الباحث ما سماه البطاقة المعجمية القانونية السياقية، باعتبارها أداة تحليلية مكملة للترجمة المؤسسية، تساعد على توضيح الخلفيات الثقافية والفقهية والقانونية للمصطلحات، دون أن تسعى إلى الحلول محل الترجمة الرسمية.
وقد أشادت لجنة المناقشة بالطابع المزدوج للأطروحة، باعتبارها، من جهة، إسهاما نظريا ومنهجيا يقترح وحدة تحليل جديدة قابلة للتطبيق على مدونات قانونية أخرى ذات مرجعية إسلامية مترجمة إلى لغات مدنية، ومن جهة ثانية، دراسة موثقة للنسخة الفرنسية الرسمية لمدونة الأسرة المغربية وفق مقاربة ترجمية قانونية دقيقة.
كما نوهت اللجنة بالاختيار المنهجي الذي اعتمده الباحث، حيث حافظت الأطروحة على مقاربة وصفية ومقارنة وتقييمية، دون السقوط في خطاب تصحيحي أو معياري. فالعمل لا يسعى إلى الحكم على الترجمة الرسمية أو اقتراح بديل عنها، بقدر ما يروم الكشف عما تحدثه الترجمة من آثار مفاهيمية ودلالية داخل النص القانوني.
وبعد حصوله على توصية اللجنة بنشر الأطروحة، يستعد الباحث محمد حلمي الشدادي لتحويل هذا العمل الأكاديمي إلى مؤلف علمي موجه إلى الباحثين والمهتمين بمجالات الترجمة القانونية، والقانون، والدراسات الإسلامية، واللسانيات التطبيقية.
ويمثل هذا البحث إضافة نوعية إلى الدراسات الترجمية القانونية بالمغرب، خاصة أنه يفتح النقاش حول موقع الثقافة والمرجعية الفقهية في ترجمة النصوص القانونية ذات الحساسية الدينية والاجتماعية، وفي مقدمتها مدونة الأسرة المغربية.















