لم تكن الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب المغربي، المخصصة لانتخاب رئيسه للولاية التشريعية 2026-2031، مجرد محطة إجرائية لتجديد هياكل المؤسسة التشريعية، بل شكلت اختباراً أولياً للتوازنات السياسية داخل البرلمان الجديد، وكشفت عن مجموعة من المؤشرات التي تطرح أسئلة بشأن تماسك المعارضة، وانضباط النواب، وشفافية الإجراءات المنظمة للعمل البرلماني.
فانتخاب أحمد التويزي، مرشح الأغلبية الحكومية عن حزب الأصالة والمعاصرة، رئيساً للمجلس بـ220 صوتاً، مقابل 59 صوتاً لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي، مرشح حزب العدالة والتنمية، حسم المنافسة على مستوى النتيجة، لكنه لم ينهِ الأسئلة التي أثارتها تفاصيل الاقتراع، بدءاً من الغيابات، مروراً بتشتت مواقف المعارضة، وصولاً إلى العدد المرتفع للأصوات الملغاة.
أبرز ما كشفته عملية انتخاب رئيس مجلس النواب هو قدرة الأغلبية الحكومية على تمرير مرشحها، مقابل عجز مكونات المعارضة عن بلورة موقف مشترك من أول استحقاق مؤسساتي في الولاية الجديدة. ففي الوقت الذي توحدت فيه أحزاب الأغلبية حول أحمد التويزي، لم تتمكن أحزاب المعارضة من الاتفاق على مرشح واحد لمنافسته. واقتصر الترشح على إدريس الأزمي الإدريسي، الذي قدمه حزب العدالة والتنمية، فيما لم يتقدم التجمع الوطني للأحرار، الذي يتوفر على 66 مقعداً، ولا الحركة الشعبية، صاحبة 29 مقعداً، بمرشحين للمنافسة على رئاسة المجلس.
ويكشف هذا الوضع عن مفارقة سياسية لافتة؛ فالمعارضة التي يفترض أن تشكل قوة رقابية قادرة على موازنة الأغلبية، لم تتمكن منذ أول اختبار برلماني من تنسيق مواقفها بشأن موقع مؤسساتي محوري. ولا يعني ذلك بالضرورة أن اختلاف مواقف أحزاب المعارضة يشكل خللاً في حد ذاته، إذ إن التعددية البرلمانية تقوم أساساً على الاختلاف، غير أن عدم الاتفاق على مرشح مشترك، أو على الأقل على موقف منسق، يطرح تساؤلات بشأن قدرتها على بناء جبهة رقابية متماسكة خلال الولاية الجديدة.
كما أن حصول مرشح العدالة والتنمية على 59 صوتاً، بافتراض تصويت أعضاء فريقه البالغ عددهم 54 نائباً لصالحه، يشير إلى احتمال حصوله على خمسة أصوات إضافية من خارج فريقه، ما لم تكن هناك اختلافات في تصويت أعضاء الحزب نفسه. وتظل هوية أصحاب هذه الأصوات غير محسومة في غياب معطيات تفصيلية تسمح بتحديد اتجاهاتها. وتكشف هذه النتيجة أن الاصطفافات البرلمانية لا تُختزل دائماً في الانتماءات الحزبية المعلنة، لكنها لا تسمح، في المقابل، بالجزم بوجود انشقاقات أو تفاهمات سياسية محددة دون أدلة إضافية.
وشكل غياب 26 نائباً ونائبة عن الجلسة، من أصل 395 عضواً يتكون منهم مجلس النواب، مؤشراً آخر يستحق التوقف عنده، بالنظر إلى رمزية المناسبة وطبيعة المهمة التي كان البرلمان بصدد إنجازها. فالجلسة لم تكن نشاطاً عادياً ضمن جدول أعمال المؤسسة التشريعية، بل محطة لتشكيل أحد أهم أجهزتها القيادية، بما يحمله ذلك من دلالات بشأن انطلاق الولاية الجديدة.
وإذا كانت بعض الغيابات قد ترتبط بوضعيات قانونية أو تنظيمية خاصة، فإن غياب نواب منتخبين دون توضيح أسباب ذلك يثير سؤالاً حول مدى التزامهم بالمسؤولية التمثيلية التي تقتضيها عضويتهم في المؤسسة التشريعية. فالمقعد البرلماني لا يمثل امتيازاً سياسياً أو موقعاً اعتبارياً فحسب، بل تترتب عنه مسؤولية المشاركة في أشغال المؤسسة التي انتُخب العضو لتمثيل المواطنين داخلها. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار الغياب في حد ذاته دليلاً على الاستهتار بالمسؤولية، ما دامت أسباب كل حالة غير معروفة.
ولعل أكثر تفاصيل الجلسة إثارة للتساؤل هو الإعلان عن إلغاء 90 صوتاً من أصل 369 نائباً شاركوا في التصويت، مقابل 279 صوتاً صحيحاً، دون تقديم توضيحات كافية بشأن طبيعة الأوراق الملغاة وأسباب إبطالها. فالعدد المرتفع للأصوات الملغاة يستدعي توضيحاً مؤسساتياً يحدد ما إذا كانت ناتجة عن أخطاء في التعبئة، أو أوراق بيضاء، أو مخالفات لقواعد التصويت، أو أسباب إجرائية أخرى.
ومن المهم هنا التمييز بين الورقة البيضاء والورقة الملغاة، فهما لا تحملان بالضرورة الدلالة نفسها، سواء من الناحية الإجرائية أو من حيث التعبير عن الموقف السياسي للنائب. إن غياب المعطيات التفصيلية يترك المجال مفتوحاً للتأويل، ويحول دون قراءة دقيقة للرسائل التي يمكن أن تكون قد حملتها عملية التصويت. كما أن الشفافية في مثل هذه المحطات لا تقتصر على إعلان النتيجة النهائية، بل تشمل أيضاً توضيح القواعد المعتمدة وكيفية احتساب الأصوات وتصنيف الأوراق غير المحتسبة.
وأثار احتجاج نواب تحالف اليسار بشأن عدم تسجيل موقفهم ضمن الممتنعين عن التصويت نقطة أخرى تتعلق بتدبير العملية الانتخابية داخل المجلس. وتكمن أهمية هذه المسألة في أن التصويت البرلماني ليس مجرد عملية حسابية تنتهي بإعلان اسم الفائز، بل هو أيضاً وسيلة للتعبير عن المواقف السياسية للنواب، سواء من خلال التصويت لصالح مرشح، أو التصويت ضده، أو الامتناع وفق الإجراءات المعتمدة.
ومن ثم، فإن أي خلاف بشأن كيفية تسجيل هذه المواقف يستوجب توضيحاً إجرائياً يحدد ما وقع بدقة، وما إذا كان الأمر يتعلق بطريقة احتساب الأصوات أو بتصنيفها أو بتواصل رئاسة الجلسة مع النواب. ولا يمكن، استناداً إلى المعطيات المتاحة وحدها، الجزم بوقوع خرق للمساطر، غير أن الاحتجاج يبرز أهمية ضبط إجراءات التصويت وتوضيحها لجميع النواب، تفادياً لأي التباس بشأن النتائج أو بشأن المواقف التي أراد ممثلو الأحزاب التعبير عنها.
وإلى جانب المعطيات الرقمية والسياسية، برزت ملاحظات بشأن طريقة إدارة الجلسة من طرف أكبر النواب سناً، الذي تولى تسييرها في انتظار استكمال إجراءات انتخاب رئيس المجلس. وتحدثت المعطيات المنشورة عن صعوبات في ضبط مجريات الجلسة وتطبيق بعض الإجراءات، وهو ما أعطى انطباعاً بوجود ارتباك في تدبير أول محطة تنظيمية للمجلس الجديد.
لكن من الضروري التمييز بين الارتباك الظرفي، الذي قد يحدث خلال جلسة إجرائية معقدة، وبين وجود خلل مؤسساتي مستمر. فالحكم على أداء مجلس النواب لا يمكن أن يستند إلى جلسة واحدة، بل يتطلب متابعة طريقة تدبير جلساته اللاحقة، ومدى احترام النظام الداخلي، وفعالية أجهزته في تنظيم العمل التشريعي والرقابي. ومع ذلك، تكتسب الجلسات الافتتاحية أهمية رمزية خاصة، لأنها تقدم الانطباع الأول عن قدرة المؤسسة على تدبير إجراءاتها وضمان سيرها في ظروف واضحة ومنظمة.
إن انتخاب أحمد التويزي رئيساً لمجلس النواب يضع المؤسسة التشريعية أمام مسؤولية تتجاوز تدبير الجلسات وتوزيع المهام داخل أجهزتها. فالتحدي الحقيقي يكمن في قدرة المجلس على الاضطلاع بوظيفتي التشريع ومراقبة العمل الحكومي، وضمان شروط ممارسة المعارضة لأدوارها الدستورية، بما في ذلك حقها في مساءلة الحكومة ومناقشة سياساتها.
كما أن تشتت المعارضة منذ أول جلسة يضع أحزابها أمام ضرورة مراجعة آليات التنسيق بينها، دون أن يعني ذلك إلغاء اختلافاتها السياسية أو الأيديولوجية. فالمعارضة الفعالة لا تُقاس فقط بعدد المقاعد التي تمتلكها، بل أيضاً بقدرتها على صياغة بدائل واضحة، وممارسة الرقابة، وتقديم مقترحات تشريعية تستجيب لانتظارات المواطنين.
وفي المقابل، لا يكفي أن تتمكن الأغلبية من حسم المناصب القيادية داخل المجلس؛ إذ إن نجاحها السياسي والمؤسساتي يظل مرتبطاً بمدى احترامها للتعددية، وتفاعلها مع المعارضة، وقدرتها على تحويل التفوق العددي إلى عمل تشريعي ورقابي فعلي.
وتكشف الجلسة الأولى لمجلس النواب عن مجموعة من المؤشرات التي تستحق المتابعة: أغلبية استطاعت حسم انتخاب الرئيس، ومعارضة لم تتفق على مرشح مشترك، وغيابات تحتاج إلى تفسير، وأصوات ملغاة تستدعي توضيحاً، واحتجاجات بشأن كيفية تسجيل المواقف، فضلاً عن ملاحظات حول إدارة الجلسة.
لكن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإصدار حكم نهائي على الولاية التشريعية الممتدة بين 2026 و2031. فالمعيار الحاسم لن يكون فقط كيفية انتخاب رئيس المجلس، وإنما ما ستكشف عنه الأشهر المقبلة من قدرة البرلمان على إنتاج تشريعات ذات جودة، ومراقبة الحكومة بفعالية، واحترام حقوق المعارضة، وتوفير شروط نقاش عمومي جاد حول السياسات العمومية.
فهل كانت تعثرات الجلسة الأولى مجرد ارتباك عابر في انطلاق الولاية الجديدة، أم أنها تعكس صعوبات سياسية وتنظيمية أعمق سترافق أداء البرلمان خلال السنوات الخمس المقبلة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف على ما ستقدمه المؤسسة التشريعية من ممارسة فعلية، لا على نتائج أول اقتراع داخلها فحسب.














