مجيدة بنكيران، واحدة من أبرز الفنانات المغربيات، تمتاز بحضور قوي وموهبة استثنائية تجمع بين الإبداع الفني والعمق الثقافي. بدأ مشوارها الفني في المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، حيث درست التمثيل، ثم واصلت تطوير نفسها أكاديميًا وفنيًا، فاختارت مسارًا مميزًا يجمع بين التمثيل والكتابة والإخراج والتدريس الفني. هذا التوجه الشغوف جعلها نموذجًا يحتذى به في الوسط الفني المغربي.
على صعيد الأعمال، قدمت مجيدة العديد من المسلسلات الناجحة مثل “عود البسباس” (2020)، “الشبيه” (2019)، و”عايدة” (2015)، ونجحت أيضًا في المسرح من خلال مسرحية “عريس في كازابلانكا”.

بفضل قدرتها الاستثنائية على تجسيد شخصيات متنوعة بعمق، صنعت مجيدة لنفسها مكانة بارزة على الساحة الفنية. كما أن أعمالها دائمًا ما تحمل رسائل قوية وحبكات متقنة، مما يجعل جمهورها في انتظار كل جديد.
في مجال الإخراج، أخرجت مجموعة من الأفلام الوثائقية والقصيرة مثل “زوايا الصحراء زوايا الوطن” (2020)، “آثار” (2016)، و”مولى كلام” (2015). بصفتها مخرجة، استطاعت أن تقدم أعمالًا وثائقية متميزة تتناول قضايا ثقافية وإنسانية في إطار سينمائي رفيع المستوى.
مجيدة بنكيران هي أيضًا أكاديمية متميزة، حيث تتهيأ حاليًا لدكتوراه في مجال الدراسات السينمائية والسمعية البصرية، حاصلة على ماجستير في نفس التخصص، بالإضافة إلى دبلوم في الدراسات المعمقة في الشعر الحديث. هي أستاذة تعليم فني، وقد شغلت عدة مناصب مرموقة، مثل عضوية لجنة تحكيم في مهرجانات سينمائية وطنية ودولية، و مستشارة سابقة بديوان وزير الثقافة، ومديرة فنية لعدة مهرجانات وطنية.
إلى جانب نشاطها المهني والفني، قامت بنشر عدة مؤلفات مثل “أن تحلم كما الأسماك” (2001)، “7، زنقة مقهى الباشا” (2006)، و”صداق العيساويات” (2016). أعمالها السينمائية والأدبية تشهد على شغفها بالفن والتوثيق الثقافي، مما جعلها أحد الأسماء اللامعة في الساحة الفنية المغربية.
في هذا الحوار الخاص مع صحيفة “لوبوكلاج”، تفتح لنا الممثلة مجيدة بنكيران قلبها للكشف عن كواليس فيلمها الجديد دمليج زهيرو
- بداية مجيدة، أخبرينا عن فيلم “دمليج زهيرو” ودورك فيه؟
فيلم “دمليج زهيرو” هو بالفعل نموذج مميز ومصغر لمفهوم “تامغربيت”، إذ يعكس من خلال قصته الإنسانية الحضارة المغربية العريقة بكل تفاصيلها. يتناغم في الفيلم كل ما يشكل ملامح الأصالة المغربية، من التاريخ والعمارة إلى المأكولات واللباس التقليدي، مرورًا بالعلاقات الأسرية، وهو يقدم صورة غنية ومعبرة عن مكانة الرجل والمرأة في المجتمع المغربي.

عندما نتابع هذا الفيلم، نشعر وكأننا نرى انعكاسًا حقيقيًا لأنفسنا، إذ يُظهر بكل صدق وجمال ملامح المملكة المغربية الشريفة.
أما عن دوري في الفيلم، فأنا أجسد شخصية “أم زهيرو”، الأم التي تستعيد ذكريات حبها الأول من خلال قصة حب وزواج ابنتها. في هذه القصة، يكون حبيب ابنتي هو ابن الرجل الذي كنت أتمنى أن يكون زوجًا لي، ولكن عائلتي كانت قد رفضت هذا الارتباط في وقت سابق.
- ما الذي جذبك للمشاركة في هذا العمل، خاصة أنه مستوحى من فن الملحون؟
الجواب موجود في آخر كلمة، وهي “الملحون”، أي أنني أعتز بالتمغربيت، وبالذات بحضارة المملكة المغربية الشريفة.
وأنا أدافع بقوة عن كل ما هو أصيل، متشبثة بجذوري ومنتمية إلى كل ما هو حداثي، وكل ما استمر عبر الأجيال. إنه تراث جميل نعتز به، وهو جزء من طفولتي، فقد نشأنا على هذا التراث، وفتحنا أعيننا على والدينا وأجدادنا وهم يستمعون إلى موسيقى الملحون والتقاليد المغربية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن القصيدة تعجبني وأقرأها دائمًا، لأنها تحمل في طياتها متعة وإبداعًا. إنها رسالة مهمة للشباب، تؤكد أن تراثنا مستمر، ويجب علينا الحفاظ عليه، خاصة من خلال صيغتنا الخاصة ونحن نقدم ذلك في الفيلم.
- العمل يدمج بين الدراما والرومانسية والموسيقى، كيف ترين تفاعل الجمهور المغربي مع هذا النوع من الأفلام؟
سأجيبك بردود فعل المحبين الذين تواصلوا معي بعد عرض الفيلم؛ فقد قالوا إن الفيلم رائع ويُمثل المغرب تمثيلاً مشرفاً.
بالإضافة إلى ذلك، جاءت تعليقات الجمهور على الفيلم عبر منصة يوتيوب مؤكدةً أن هذا العمل يشبه المغرب والأسرة المغربية، ويُترجم حضارة هذا البلد وذوقه الرفيع، ويعكس النموذج الراقي للقيم المغربية.
سواء كان الحديث عن الأكل، الموسيقى، التقاليد، الحب، الصداقة، الديكور، الأناقة، أو عن صورة المرأة المغربية كسند لزوجها، والرجل المغربي يحافظ على الأصول – فإن الفيلم نجح، في اعتقادي، في تقديم صورة مُطمئنة ومُشرفة، واستطاع أن يُعيد الهيبة المغربية التي افتقدناها في بعض الأعمال.

- تم تصوير الفيلم في أماكن تاريخية بفاس، كيف أثر ذلك على أجواء التصوير وإحساسك بالشخصية؟
للإشارة، فإن علاقتي قوية جداً بمدينة تازة، لأن الكثيرين لا يعرفون أن لدينا في مدينة تازة رياضات، وأنا ابنة الرياض؛ كبرت في الرياض مع جدي. هذا الارتباط الوجداني الذي أحمله يجعلني، كلما التقيت بهذه الأماكن، أشعر أولاً بالارتياح.
كل من يعرف السكينة والهدوء الذي تتميز به الدور القديمة، يدرك تلك البساطة التي تمنح راحة تلقائية.
كانت هذه الأماكن بالنسبة لي فسحة لغذاء الروح والعين، وهذا ينسجم تمامًا مع شخصية الفيلم. لذلك، من المنطقي أن يصل الإنسان إلى مدينة فاس ويشعر بهذا الإحساس، لأنها مدينة تتدفق بروحانيتها العميقة.
- ما هي أبرز التحديات التي واجهتكم أثناء إعادة إحياء تلك الحقبة؟
الحقبة التي اختارها المخرج للفيلم هي سنوات التسعينات. وبالنسبة لي، فقد عشت هذه السنوات بكل تفاصيلها خلال فترة مراهقتي وشبابي. رأيت كيف كانت أمي وجدتي ترتديان الملابس والحلي في تلك الحقبة، مما أكسبني رصيداً معرفياً وثقافياً غنياً عن تلك الفترة.
بصراحة، لم تكن هناك صعوبات تُذكر، خاصة على مستوى الملابس، لأن القفطان المغربي شهد تطوراً ملحوظاً.
بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك تخصصات أخرى على مستوى المشهد السينمائي، حيث وُجد مختصون في الديكور، الإضاءة، الملابس وغير ذلك، ما ساهم في إضفاء جودة عالية على العمل.

- سبق لكِ العمل مع مخرجين كبار، كيف تصفين تجربتك مع المخرج حسن بنجلون؟
المخرج حسن بن جلون، نحن أصدقاء منذ زمان، ولكن للأسف لم يسبق لنا أن اشتغلنا معًا من قبل. وأخيرًا ها نحن في هذا الشريط يلتقي إبداعنا المشترك في “دمليج زهيرو”.
هو إنسان خلوق ومرن، يتحكم في زمام الأمور حتى في أوقات الضغط. بالإضافة إلى ذلك، فهو مخرج يُنصت جيداً، ويُقدّر الحوار بين الممثل والمخرج، حيث يسود العمل بيننا جو من التشاور، الاقتراحات، التعاون، التواصل والانسجام. - كيف كانت كواليس العمل وباقي طاقم التمثيل؟
كان المنتج قد وفر جميع الظروف المناسبة، وتم المزج بين مجموعة من الأجيال. عشت مع الجيل الأكبر مني، ومع جيلي شخصيًا، ومع الجيل الأصغر مني، والآن مع جيل آخر بطريقة مختلفة.
كان هناك انسجام ونفس شبابي، وحضور جميل للرواد. كان من بين الممثلين عز العرب الكغاط والممثل عبد الحق الزروالي. كانت كواليس العمل غنية ومتنوعة، مليئة بالوجوه الفنية، الموسيقيين، المغنين، وتميزت بالاحترافية العالية.
- برأيك، ما الذي يميز “دمليج زهيرو” عن باقي الأعمال الدرامية التي تُعرض خلال رمضان؟
لن أشكر عملنا على حساب أعمال أخرى، لأنني أؤمن أن كل عمل فني له خصوصيته وقيمته. ولكن،
أود أن أؤكد لك على مسألة أساسية ومهمة؛ أعتقد أن الفيلم نجح بالفعل في جذب انتباه المشاهد. هو ليس فقط مغربي مئة في المئة، بل يحمل أيضًا أصالة وعراقة ثقافية، ويعكس جوانب من تاريخنا العريق.
في الوقت نفسه، هو منفتح على الآخر وعلى المستقبل، مما يجعله عملاً يعبر عن التوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية والانفتاح على العالم المتغير.
- هل ترين أن الفيلم سيساهم في تعريف الأجيال الجديدة بفن الملحون؟
بالطبع، لأن من غير الملحون، يجب علينا أن نعرف قيمة ما نملك، مثل القفطان المغربي الله يخليك، والزليج المغربي الله يخليك، وغيرها من مكونات تراثنا الغني. حتى الشخصيات في الفيلم أدت أدوارها وهي ترتدي القفطان المغربي الأصيل، وقد أعجبهم كثيراً ما تقدمه القصة. هذا العمل أكد على أن التراث الملحون صالح لكل زمن ومكان، مثل الجلابة والشربيل المغربي، الذي يتجدد باستمرار.
ويد الصانع المغربي تتجدد وتتمدد عبر لقاء الحضارات والتاريخ، وتستقبل آفاقاً جديدة، خاصة في وجه الشباب المغربي، مما يعكس استمرار تطور هذا التراث الأصيل في الزمن المعاصر.

- هل لديك مشاريع تلفزيونية، مسرحية أو سينمائية قادمة؟
أملك مشاريع خاصة في مجال السيناريو والإخراج، بالإضافة إلى بعض المقترحات في مجالي السينما والتلفزيون. وإن شاء الله، نكون عند حسن ظن الجمهور المغربي.
في ختام هذا الحوار، نرى أن مجيدة بنكيران تظل نموذجًا حقيقيًا للفنانة الشاملة التي تجمع بين التميز الفني والعمق الثقافي، سواء في التمثيل أو الكتابة أو الإخراج. من خلال فيلم “دمليج زهيرو”، تمكنت من تقديم عمل فني يعكس أصالة الثقافة المغربية، ويعيد إحياء التراث الفني مثل الملحون، مع مزجه بشكل مبدع مع الدراما والرومانسية.
وقد تميزت كواليس العمل بوجود انسجام بين الممثلين والمخرج، مما جعل العمل يخرج بأعلى مستوى من الاحترافية.
من خلال المشاريع القادمة في مجال السيناريو والإخراج، لا شك أن مجيدة بنكيران ستظل تقدم المزيد من الأعمال التي تسهم في إثراء الثقافة المغربية وتوثيق تاريخها. إن شغفها الكبير بالفن وتراث بلدها، واهتمامها بالجديد والمستقبل، يجعلها دائمًا في تطور مستمر، ولا شك أن أعمالها المقبلة ستبهر جمهورها بشكل أكبر.
.














