أيها المواطنون، أيها المشاهدون، أيها المتذمرون من برامجنا المتكررة، أحييكم بتحية الإعلام العمومي الذي لا ينام.
أعلم أنكم تتساءلون: لماذا لا تتغير قنواتنا؟ لماذا لا تتجدد برامجنا؟ لماذا لا نرى وجوهًا جديدة؟ وأجيبكم: لأن الثبات على المبدأ فضيلة، ولأن التكرار يعلم الشطار.
لقد قضيت ربع قرن في خدمة الإعلام العمومي، ربع قرن من العطاء المستمر، من البرامج المتنوعة، من المسلسلات التي تعاد كل موسم، من النشرات الإخبارية التي تبدأ وتنتهي بنفس العناوين.
أما عن الخريطة المبتورة التي ظهرت على قناة الرياضية، فذلك كان اختبارًا لمدى وعيكم ويقظتكم، وقد نجحتم فيه بامتياز. فشكراً لكم على تنبيهنا، وسنحرص مستقبلاً على تقديم خرائط أكثر إثارة للجدل.
نعم، نحن نؤمن أن الابتكار قد يُربك المُشاهد، لذلك اخترنا له ما يألفه ويعتاد عليه: نفس الموسيقى التقديمية، نفس الوجوه، نفس النشرات الجوية التي تتنبأ بالماضي. نحن لا نطارد “الترندات” ولا نلهث خلف نسب المشاهدة، فنحن التلفزيون الذي يشاهد نفسه، ويُصفق لنفسه، ويمنح الجوائز لنفسه.
وحين يُسائلنا البعض عن دورنا في التثقيف والترفيه والإخبار، نُجيبه: وهل ترك لنا الإنترنت شيئًا؟ نحن هنا لنُذكّركم بزمن الأبيض والأسود، لا لننافس “الديجيتال”. لأننا ببساطة نؤمن أن التطور ليس ضرورة… بل خطر محتمل.
أما عن الوجوه التي ترونها يوميًا على شاشتنا، فهي ليست مجرد مُقدّمين، بل رموز وطنية تمثل الاستمرارية. لقد واكبونا في كل التحولات، من الانتقال من البث التماثلي إلى الرقمي، ومن زمن الجرائد الورقية إلى زمن الهواتف الذكية، دون أن تتغير نبرة صوتهم أو مقاسات بدلاتهم.
نعم، نُراهن على الوفاء لا المفاجأة، وعلى الألفة لا المغامرة. فهل تريدون إعلامًا حديثًا يُحدث ضجيجًا بلا فائدة؟ نحن نفضّل الهدوء… وتكرار الحلقة الماضية، لأنها ببساطة لم تُشاهد بما يكفي.
وأما بخصوص البرامج، فنحن نؤمن أن الجودة لا تُقاس بالتجديد، بل بالاستمرار. لذلك، نُعيد البرامج نفسها في مواسم متعددة، لأن الذكرى تنفع المشاهدين، ولأن كل حلقة – مهما بَدت مألوفة – تخفي رسالة جديدة لم ينتبه لها أحد في العرض الأول، أو الثاني، أو حتى الثالث.
ثم دعوني أُطمئنكم: نحن نتابع التطورات العالمية عن كثب، لكننا نحب أن نمنحها “مهلة تأمل” قبل اعتمادها. فالعالم يركض، ونحن نمشي بتأنٍ، حتى لا نُرهق المشاهد المغربي بكثرة المفاجآت.
وأما عن المسلسلات، فذلك فصل خاص من ملحمتنا الوطنية. نحن لا نُغيّر الممثلين ولا نُبدّل الشركات المنتِجة لأننا نؤمن بثقافة “الوفاء المهني”. إنهم نجوم الشاشة كما تعرفونهم، من العقد الأول حتى العقد الثالث، لأن في تكرار الوجوه طمأنينة، وفي إعادة الحوارات دفء حنين لا يفهمه سوى عشّاق الاستقرار.
نعتمد نفس المخرجين لأننا لا نحب المغامرة الفنية، ونُسند الإنتاج لنفس الشركات لأن التنويع يُربك الموازنة. ثم هل سمعتم يوماً أن وصفة “الحريرة” الناجحة تُعدّ بمكونات جديدة؟ نحن فقط نُضيف قليلاً من التوابل في الموسيقى التصويرية، ونُغيّر أسماء الشخصيات… ويبقى كل شيء على ما يُرام.
وأما عن تطبيقاتنا الإلكترونية، من SNRT News إلى SNRT Live، فهي دليل حيّ على قدرتنا على مواكبة العصر… لكن على طريقتنا الخاصة. تطبيقات لا تعمل إلا حين لا يحتاجها أحد، وإن عملت، فببطء يليق بتراث مؤسستنا في التأني والروية.
أطلقناها لندخل عالم الرقمنة، فوجدنا أنفسنا نُعيد بث نفس الأخبار، بنفس اللغة، بنفس الصور، لكن داخل شاشة أصغر. واجهات مربكة، تنقلات بطيئة، وأحياناً تشتغل فقط لتُذكّرك أن الصحافة الرقمية يمكنها أن تكون مثل التلفزة… فقط أكثر خيبة.
أما الإذاعة الوطنية وشبكة الإذاعات الجهوية، فهي تُفتح كل صباح كما تُفتح النوافذ القديمة في بيت مهجور: لا لتُطل على جديد، بل لتُثبت فقط أنها لم تُغلق بعد. بثّها المنتظم يشبه دقّ ساعة جدارية عتيقة، لا أحد يُنصت، لكن لا أحد يجرؤ على إيقافها. برامجها لا تتغير، أصواتها لا تشيخ، ومستمعوها… إن وُجدوا، فربما من باب الحنين لا أكثر.
ثم تأتي القناة الأمازيغية، وقد وُلدت كي لا تُتَّهم الدولة بالتقصير، لا لتقدّم محتوى فعلياً. خُصّصت لها الميزانية، والمكاتب، والبث، لكنها ظلت أقرب إلى لافتة معلقة على واجهة التنوع، تُرضي الضمير المؤسساتي أكثر مما تُرضي المتلقي. قناة تُخاطب جمهوراً لا تُنصت إليه، وتُنتج محتوى لا يُغادر لغته الأولى: “ها نحن نحترم الهويّة… بالصوت فقط”.
أعلم أنكم تشتكون من الرتابة، من البرامج التي تشبه بعضها حتى في أخطائها، من الأخبار التي نعيد صياغتها كما نعيد ترتيب الأرشيف، لكن صدقوني، هذه ليست عيوبًا… هذه هوية. نحن لا نُنتج إعلامًا عموميًا، نحن نُحافظ على موروث سمعي بصري مقاوم للتغيير. نُشبه ذلك الراديو العتيق في بيت الجدّة: لا يُلتقط إلا على موجة واحدة، لكنها تكفي. فتابعونا، أو لا تفعلوا، المهم أن نُبثّ.















