يبدو أن ملف الناخب الوطني للمنتخب المغربي تحول، في الأسابيع الأخيرة، إلى مرآة تعكس أزمة تواصل حقيقية داخل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
ففي كل مرة تتناقل الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي خبرا عن إقالة المدرب أو تعيين بديل له، يخرج النفي الرسمي متأخرا، مقتضبا، وباردا. تتكرر الرواية ذاتها: الحديث عن رحيل وليد الركراكي، ثم تداول اسم طارق السكتيوي، وبعده اسم محمد وهبي، قبل أن تصدر الجامعة بلاغا ينفي.
وهكذا ندخل حلقة مفرغة عنوانها: الإشاعة أولاً… والمؤسسة لاحقاً.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بصحة الأخبار من عدمها، بل بكيفية إدارة النقاش العمومي حول ملف حساس يرتبط بمنتخب وطني يمثل رمزا جماعيا.
في عالم كرة القدم الحديثة، التواصل ليس تفصيلا ثانويا، بل هو جزء من صناعة القرار نفسه.
حين تترك فراغا معلوماتيا، فأنت عملياً تفسح المجال للتأويل، ولتضخم السرديات غير المؤكدة، ولتحول مواقع التواصل إلى مصدر “شرعية” موازٍ للمؤسسة.
الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بقيادة فوزي لقجع، راكمت خلال السنوات الماضية إنجازات تنظيمية ومالية ورياضية مهمة، لا يمكن إنكارها.
لكن النجاح الرياضي لا يعفي من النقد في تدبير الأزمات. بل إن المؤسسات القوية هي التي تُقاس بقدرتها على إدارة اللحظات الرمادية، لا فقط بلحظات التتويج.
ما يحدث اليوم يوحي بخلل في ثلاثة مستويات أساسية:
أولاً، غياب استراتيجية تواصل استباقي. فبدل انتظار تسريب أو خبر غير مؤكد ثم الرد عليه بالنفي، كان بالإمكان تحديد جدول زمني واضح لتقييم أداء الناخب الوطني، مع توضيح المعايير والآليات، مما يغلق الباب أمام التأويلات.
ثانياً، ضعف العلاقة المؤسسية مع الصحافة الرياضية. حين تتحول العلاقة إلى منطق “تسريب ونفي”، تفقد الثقة المتبادلة.
الصحافة تبحث عن المعلومة، والمؤسسة مطالبة بتوفير حد أدنى من الشفافية.
أما الصمت الطويل، فيتحول إلى اعتراف ضمني بوجود شيء ما خلف الكواليس.
ثالثاً، غياب مخاطب رسمي واضح وثابت للرأي العام. في القضايا الحساسة، يحتاج الجمهور إلى صوت مؤسسي قوي، يشرح، يبرر، ويؤطر النقاش.
البلاغات المقتضبة لم تعد كافية في زمن السرعة الرقمية.
الأخطر من ذلك أن تكرار سيناريو “الخبر – النفي” يُضعف صورة الجامعة ويهز استقرار المنتخب نفسياً. فاللاعبون بدورهم يتابعون ما يروج. والمدرب، سواء كان في موقعه أو مهددا به، يجد نفسه في وضع غير مريح.
كرة القدم ليست فقط تكتيكا وخططا، بل مناخا نفسيا واستقرارا إداريا.
النقد هنا ليس موجها للأشخاص بقدر ما هو موجه لمنظومة التواصل.
فإذا كان المكلف بالإعلام غير قادر على ضبط الإيقاع وفرض رواية رسمية واضحة، فإن مراجعة هذا الاختيار تصبح ضرورة مؤسساتية.
أما إذا كان الخلل أعمق ويتعلق بطريقة اتخاذ القرار ذاتها، فالأمر يستدعي إعادة تقييم شاملة لأسلوب إدارة الملفات الحساسة.
المؤسسة القوية لا تترك نفسها رهينة لما يكتب عنها، بل تصنع سرديتها بنفسها.
وفي ملف الناخب الوطني، يبدو أن الجامعة تركت المبادرة لغيرها، واكتفت برد الفعل. وهذا، في حد ذاته، شكل من أشكال التدبير الضعيف.
اليوم، المطلوب ليس فقط حسم اسم المدرب، بل حسم طريقة التواصل مع المغاربة.
لأن المنتخب الوطني ليس شأنا تقنيا داخليا، بل قضية رأي عام. وحين يفقد الرأي العام ثقته في وضوح المؤسسة، تصبح كل إشاعة قابلة للتصديق.
إن إعادة النظر في استراتيجية التواصل لم تعد خيارا، بل ضرورة.
فإما أن تستعيد الجامعة زمام المبادرة بخطاب واضح وشفاف، أو تواصل دفع ثمن صمتها على شكل فوضى إعلامية متكررة.
وفي كرة القدم كما في السياسة، الفراغ لا يبقى فارغا طويلا… هناك دائما من يملؤه.















