وسط جمع غفير من أفراد أسرته الصغيرة والكبيرة ومحبيه ومريده وأصدقائه وزملائه وطلبته القدامى بقسم اللغة الروسية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس في الرباط ، نظم بيت الشعر في المغرب يوم السبت 30 نونبر 2024 حفلا تكريميا رائعا للأستاذ الدكتور عبد الرحيم العطاوي ، سفير اللغة والثقافة الروسيتين بالمملكة احتضنه فضاء معرض الكتاب بمدينة تمارة.
الحديث عن حضور اللغة والثقافة الروسيتين في المشهد الأكاديمي والجامعي والثقافي في المغرب لا يمكن أن يستقيم دون استحضار اسم العلامة عبد الرحيم العطاوي المزداد سنة 1940 بآسفي والذي أعطى الشيء الكثير للغة ألكساندر بوشكين وساهم في تقريبها وانتشارها في الوسط الطلابي ليس في العاصمة الرباط بل في مدن مغربية أخرى، علاوة مساهمته في إقامة جسور للتبادل الثقافي بين المغرب وروسيا الاتحادية وقبل ذلك في عهد الاتحاد السوفياتي الذي كان قبل انهياره عام 1991 بمثابة قارة شاسعة تضم 15 جمهورية.

بدأ الأستاذ العطاوي مساره التعليمي بالكتاب القرآني بآسفي على غرار جيله من الرواد ،بعد ذلك تابع دراسته الابتدائية بمدرسة تراب الصيني بنفس المدينة، ثم الثانوية بمؤسسة ابن خلدون عام 1953 ليحصل على شهادة التعليم الثانوي الأمر الذي أهله للالتحلق بمدرسة المعلمين بمراكش ليصبح معلما للغة الفرنسية بمدرسة تراب الصيني لمدة عامين اثنين ،إضافة إلى حصوله على دبلوم في الترجمة من المعهد العالي للدراسات العليا المغربية بالرباط .
وفي عام 1961 انتقل إلى الاتحاد السوفياتي لاستكمال دراسته ، فتم تسجيله بالكلية التحضيرية ، جامعة “لومونوسوف ” بموسكو الأمر الذي أهله لمتابعة دراسته الجامعية بكلية الفيلولوجية ، تخصص اللغات السلافية ،حيث حصل على الماستر في الفيلولوجية والأدب الروسي من جامعة لينينغراد سانبترسبور سنة 1967 ودكتوراه الدولة سنة 1994 من جامعة الحسن الثاني بعين الشق في موضوع ” الدراسات العربية والإسلامية في روسيا ” تحت إشراف الدكتور أحمد الطريسي .
بعد ذلك ، عمل المحتفى به أستاذا بالمعهد الجامعي للبحث العلمي الذي كان يديره آنذاك الدكتور عبد الكبير الخطيبي ، كما اشتغل بمعهد التعريب على عهد الأستاذ أحمد لخضر غزال ، قبل أن يلتحق بكلية الآداب بالرباط سنة 1972. وإليه يعود الفضل في تأسيس قسم اللغة الروسية ، مقتنعا بجدوى تلقين اللغة الروسية وثقافتها ، مؤمنا بضرورة الاشتغال على الأدب الروسي إلى جانب الكتابات الروسية الاستشراقية. ..
شهادت مؤثرة في حق “شيخ ” مؤسس قسم اللغة الروسية والمكلف بمصلحة الشؤون الطلابية ، قبل أن يعمل محافظا لخزانة الكلية ، قدمها طلبته القدامى و”مريدوه” وزملاؤه منهم الدكاترة مراد القادري رئيس بيت الشعر في المغرب ومنير البصكري الفيلالي وسليمان القرشي ، ورشيدة بنرحمون ، أستاذة سابقة للغة الروسية بنفس الكلية، علاوة على نجلته الغالية وصهره أحمد غيبي، فيما تم عرض شهادات مسجلة لحفيداته وأحفاده.
وتم في كل هذه المداخلات والشهادات استحضار الخصال الإنسانية للأستاذ العطاوي ونزاهته الفكرية ولطف المعشر الذي يميزه وصفة تواضع الكبار التي تحلى بها ولا يزال إضافة إلى إيمانه الكبير بأهمية تشجيع الباحثين في البحث في كنوز الثقافة المغربية بروافدها المتعددة منها العربية والأمازيغية وكذا الفنون الشعبية لاسيما “العيطة” والآلة .

هذه الخصال النبيلة للأستاذ العطاوي التي لم تأت من فراغ لامسناها نحن طلبته بقسم اللغة الروسية عن قرب ولا شك أنه قد استمدها من البيئة التي تربى فيها خلال مرحلة الطفولة ولاحقا من الوسط الأكاديمي بعد أن التحق بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط في وقت كانت تعج بقامات علمية من مختلف التخصصات منهم على سبيل الذكر الأساتذة محمد عابد الجابري ومحمد سبيلا والمهدي بنعبود ومحمد بلبشير الحسني، وأحمد توفيق ومحمد جسوس وأحمد الريسوني وفاروق حمادة ، ومحمد بنشريفة ورشدي فكار ،وأحمد شحلان وعباس الجيراي والتهامي الراجي وطه عبد الرحمان وآخرون .
من هؤلاء من غادر إلى دار البقاء رحمة الله عليهم ،ومنهم آخرون لايزالون بين ظهرانينا ندعو الله لهم بطول العمر والصحة والعافية .
وفي كلمة له بمناسبة حفل التكريم ، عبر الأستاذ العطاوي عن شكره وامتنانه لمسؤولي بيت الشعر في المغرب على هذه الإلتفاتة الجميلة التي وصفها بدليل قاطع على نبل الأخلاق والوفاء لشيوخهم وأصدقائهم وتمجيد الثقافة وأهلها ، داعيا في إطار تواضع العلماء الكبار الى استمرار التواصل بينه وبين دكاترة كان بعضهم في ما مضى طلبة عنده في قسم اللغة الروسية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط حيث وصفهم بزملاء وأصدقاء له يعتز بصداقتهم أيما اعتزاز.
قسم اللغة الروسية بكلية الآداب الذي كنت واحدا من طلبته تحت اشراف الأستاذ العطاوي والأستاذة رشيدة بنرحمون وأستاذات روسيات أخريات منهن ألمارا وناتاشا كان بمثابة ” كلية مصغرة ” تجمع مختلف التخصصات كاللغة العربية وآدابها والدراسات الإسلامية والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا واللغات الحية ، ومن بين حسنات هذا القسم إتاحة الفرصة للمتفوقين في اللغة الروسية من الاستفادة من رحلات ثقافية خلال فترة الصيف الى معهد بوشكين بموسكو كانت سببا في ربط علاقات صداقة متينة عام 1989 مع طلبة قدامى لاتزال قائمة بل تتعزز يوما بعد يوم ولعل حفل التكريمي الذي حضره عدد منهم لخير دليل على ذلك .
إن استعراض الكتب التي ألفها الأستاذ العطاوي يبرز بما لايدع مجالا للشك المكانة العلمية الكبيرة لهذا الأكاديمي المرموق فقد صدر له ” الاستشراق الروسي، مدخل إلى تاريخ الدراسات العربية والإسلامية في روسيا ” ، بغية إعطاء نظرة تاريخية لمسيرة المدرسة الاستعرابية الروسية منذ نشأتها إلى حدود منتصف القرن العشرين، و ربط جسور التلاقي والتفاهم بحكم العلاقات القوية والمتينة القائمة بين المغرب وروسيا .
ومن ضمن كتبه كذلك ، نجد ” المشموم الزاهي المختار من قصائد شعراء روسيا الكبار ” وهو عبارة عن أنطولوجية للشعر الروسي صدر له عام 1998 ، ثم ” المغرب وروسيا عبر التاريخ ..”عام 2011 و” من روائع الشعر الروسي ” حيث اختار مجموعة من القصائد لأبرز الشعراء الروس في القرنين التاسع عشر والعشرين ، ترجمها من اللغة الروسية إلى اللغة العربية ، وهو إنجاز مهم أغنى به المؤلف الخزانة العربية بهدف التعريف بالآداب الروسي في المغرب ومنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا.
وقد توجت جهود الأستاذ العطاوي ، في هذا المجال بحصوله على المرتبة الثانية في المسابقة العالمية لترجمة الشعر الروسي التي نظمها معهد الترجمة بموسكو في فترة الاتحاد السوفياتي ، تحت شعار :” لنطالع روسيا” إضافة إلى حصوله على جائزة تمنحها الحكومة الروسية للأدباء الذين يكتبون بالروسية تحمل اسم جائزة ” أمير شعراء روسيا ألكساندر بوشكين” .
ويرى الأستاذ منير البصكري الفيلالي أن الاهتمام بالثقافة واللغة الروسيتين لم يكن ليصرف الأستاذ العطاوي، الذي أحيل على التقاعد الإداري عام 2005 ،عن الكتابة والبحث عن تاريخ وحضارة مسقط رأسه أسفي . فكلما أتيحت له فرصة المشاركة في نشاط ثقافي وفكري يهم مدينته ، إلا ويهب مسرعا لتقديم ما يمكن أن يفيد المدينة ويغني الحركة الأدبية والفكرية والثقافية والعلمية بها .
ومن إنجازاته في هذا المجال ، تقديم وتحقيق كتاب الفقيه أحمد الصبيحي ” باكورة الزبدة من تاريخ أسفي وعبدة” عام 1994 بالاشتراك مع الدكتور محمد الظريف ثم كتابه القيم بعنوان : ” كتابات أحمد بن محمد الصبيحي السلاوي حول أسفي” ، تقديم وتحقيق ، وكذلك بحثه حول ” المعجم المقارن لأسماء السمك بأسفي ” وغيرها من المساهمات المهمة و القيمة الأخرى .














