أثار تداول مقطع فيديو يظهر مجموعة من السياح اليهود يؤدون طقوس دينية أمام باب دكالة، أحد المعالم التاريخية بمدينة مراكش، موجة من الجدل الواسع على منصات التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام المغربية. حيث توزعت ردود الفعل بين رافض يعتبر المشهد استفزازا وخرقا للثوابت الوطنية، وبين مدافع يرى فيه ممارسة عادية لحرية الشعائر في فضاء عمومي. كما تخلل النقاش وقفات احتجاجية في كل من مراكش وطنجة، وتصريحات متباينة من شخصيات سياسية وحقوقية ودينية، بالإضافة إلى فيديو آخر لمواطنة إسرائيلية هددت فيه المغاربة.
الفيديو وهوية المجموعة
بحسب المعلومات المستقاة من وسائل إعلام محلية، يعود أصل الواقعة إلى مقطع فيديو يصور مجموعة من الأشخاص يرتدون الزي الديني اليهودي التقليدي (الطاليت والقبعة المستديرة) يؤدون طقوسا أمام باب دكالة بمراكش، في مشهد وصف بأنه استمر بضع دقائق. ووفق لما هو متداول كان هؤلاء الأشخاص من السياح القادمين من الولايات المتحدة الأمريكية، وليسوا من اليهود المغاربة المقيمين في المملكة.
جاكي كادوش، رئيس الطائفة اليهودية بمراكش، يوضح في تصريحاته أن المجموعة كانت في جولة دينية لزيارة أضرحة يهودية تاريخية، وتزامن وجودهم خارج المعبد مع وقت إحدى الصلوات اليومية، ما دفعهم للصلاة في أقرب مكان مفتوح. يضيف كادوش أنه “لم تكن هناك أي نية لتحويل السور أو المكان إلى موقع ديني يهودي”، وأن الحافلة السياحية كانت تنتظرهم ليغادروا فور انتهاء الصلاة.
في المقابل، يقدم النقيب عبد الرحيم الجامعي قراءة مغايرة تماما لهوية المجموعة ودلالاتها. يصف المشهد بأنه “كالغربان بلباس أسود وقبعات وشعر منسدل على الأذنين”، ويربط بينهم وبين “أولئك الذين انتزعوا واحتلوا حائط البراق بالأقصى”. يعتبر الجامعي أن هؤلاء “مناصرون لمجرمي الحرب”، واصفا ما حدث بأنه “تدشين حائط المبكى بمراكش” و”مخطط صهيوني جديد بالمغرب”.
موقف الطائفة اليهودية في المغرب
سيزان أبيتان، الناشطة اليهودية المغربية المهتمة بالتراث اليهودي، تقدم في تصريحاتها لصحيفة “الصباح” وإذاعة “ميد راديو” قراءة تهدوية للواقعة. تصف الجدل المثار بأنه “غير مسبق” ولا يعكس حقيقة العلاقة التاريخية بين المغاربة واليهود. حيث تؤكد أبيتان أن “هذه الزيارات الروحية تتضمن دائما صلوات ودعاء للمغرب وملوكه وشعبه”، وأن ما حدث هو “مجرد صلاة عابرة لسياح، لا تختلف عن وقوف أي سائح مسيحي للصلاة أمام كاتدرائية في الخارج”.
تضيف أبيتان أن الضجة المثارة “لا تعكس ثقافة التسامح والانفتاح التي اشتهر بها المغرب”، وتعرب عن استغرابها من “هذه الحساسية تجاه مشهد كان عاديا قبل عقود فقط”. وتدعو إلى التهدئة وعدم “المزايدة على التعايش الديني”. من جهته، يؤكد جاكي كادوش على البعد الطارئ والعابر للواقعة، مشددا على أن الأمر “برمته كان ظرفيا بحتاً”.
في مقابل هذا التطمين، يطرح النقيب الجامعي شكلا آخر من أشكال الموقف من داخل الطائفة اليهودية نفسها، معتبرا أن ما حدث لا يمثل كل اليهود. مشيرا إلى شخصيتين يهوديتين مغربيتين كبديل رمزي للصورة التي التقطت عند باب دكالة: المفكر والمناضل إدمون عمران المالح، صاحب القول الشهير “أنا لا أعرف دولة اسمها إسرائيل”، والمناضل سيون أسيدون، “أحد مؤسسي حركة مقاطعة إسرائيل والمدافع البارز عن القضية الفلسطينية”. يقدم الجامعي هاتين الشخصيتين كرؤية مغايرة للهوية اليهودية المغربية، لا ترتبط بالمشروع الصهيوني.
القراءة الدستورية والقانونية
حرية الشعائر مقابل حرمة الفضاء العام
عبد الوهاب رفيقي، باحث في الدراسات الإسلامية بجامعة القاضي عياض بمراكش، يقدم في تصريح لموقع “هسبريس” قراءة تستند إلى الدستور المغربي. يرى رفيقي أن ما حدث “لا يستحق كل هذه الضجة” ويعتبرها “زوبعة في فنجان”. ميشيرا إلى أن “الدستور المغربي في فصله الثالث يكفل حرية ممارسة الشعائر الدينية لليهود المغاربة، كما يكفلها لغيرهم”. يضيف أن “السور الذي أدي عنده الصلاة ليس مسجدا ولا مكانا مقدسا للمسلمين حصرا، بل هو فضاء عمومي تابع لبلدية مراكش”. يستند رفيقي إلى التاريخ المغربي “الحافل بالعيش المشترك”، مستشهدا بالملاح التي كان اليهود يمارسون فيها طقوسهم علنا.
أما محمد المو، المحامي الخبير في القانون الدستوري، يقدم قراءة أكثر حدة في تصريحه لجريدة “العلم” الإلكترونية. يصف ردود فعل الغاضبين من الواقعة بأنها “غير مقبولة قانونيا وأخلاقيا”. مؤكدا أن “الدستور المغربي يضمن حرية المعتقد والعبادة لكل المواطنين المغاربة، واليهود ”المغاربة” جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني”. ينتقد المو بشكل خاص سلوك “تطهير” المكان (كنس الأرض ورشها بالماء) الذي تردد أن بعضا من المحتجين قاموا به بعد الصلاة، واصفا هذا السلوك بأنه “سلوك كراهية وخلفية عنصرية لا تليق بمجتمع متسامح متعدد الثقافات”.
في نقيض هذا التوجه، يقدم النقيب الجامعي قراءة قانونية مختلفة. يستهل كلامه بالإشارة إلى الدستور المغربي والاعتراف بالعبرية كرافد من الروافد الوطنية، وحرية الرأي والتعبير وحرية ممارسة الشأن الديني. يضيف الجامعي قيدا أساسيا وهو ممارسة هذه الحقوق يجب أن تكون “باحترام للآخرين، دون تعصب أو تمييز أو إرهاب فكري باسم الخصوصية”. يشير إلى أن بعض الممارسات “تخرج عن المألوف، وتنحرف أحيانا حتى عن الاحترام الواجب لحرية الناس غير المتدينين”، و”تبتعد عن واجب الاستعمال المتساوي للفضاء العام المشترك”. يعتبر الجامعي أن المشهد عند باب دكالة تجاوز هذه الحدود، محولا الفضاء العام إلى موقع استفزازي.
ردود فعل الشارع المغربي
تشير المعطيات إلى وقوع احتجاجات شعبية في مدينتين مغربيتين. في مراكش، بتاريخ 23 أبريل 2026، نظمت مظاهرة شعبية غاضبة عقب تداول الفيديو. رفع المحتجون وفقا للمصادر شعارات منددة بما وصفوه بـ”التطبيع العلني”، وشعارات “داعمة للمقاومة الفلسطينية ومطالبة بوقف كافة أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني”. في حين، طالب المتظاهرون الجهات المسؤولة بالكشف عن ملابسات الواقعة، مؤكدين تمسكهم “بالثوابت الوطنية والقضية الفلسطينية كأولوية قصوى”.
في طنجة، بتاريخ 25 أبريل 2026، نظمت وقفة احتجاجية في ساحة سور المجاهدين. حيث وجه المحتجون، التحية إلى “أهل مراكش” وإلى “الجبهة المغربية فرع مراكش” و”المبادرة المغربية فرع مراكش”، مثمنين موقفهم في ما وصف بـ”مسح العار وتطهير دنس الصهاينة”. وأكد المتظاهرون رفضهم القاطع لأي ممارسات يعتبرونها “خرقا للثوابت الوطنية”، وسط هتافات تدعو إلى الوحدة والتصدي لأي تطبيع على الأراضي المغربية.
لشكر” بين الإسلام والانفتاح”
إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، يدخل على خط الجدل بتصريح أدلى به لوسائل إعلام محلية. ليعبر عن “انشراحه وسروره لعدد المصلين الكبير في العواصم العالمية عند أداء صلاة الجمعة”، معربا في الوقت نفسه عن خشيته من “ردود الفعل التي قد تسيء لقيم التسامح المغربية إزاء هذا الحدث”.
يحاول لشكر، وفقا لصيغة التصريح، الموازنة بين عنصرين: الانتماء الإسلامي للمجتمع المغربي، والانفتاح على الشعائر الدينية الأخرى. يعبر عن تخوفه من أن تؤدي ردود الفعل المبالغ فيها إلى “تشويه صورة المغرب كبلد متسامح”. يخلو التصريح إما عن موقف واضح من مشروعية أو عدم مشروعية ما حدث عند باب دكالة، ويبقى في إطار الدعوة العامة إلى التسامح وتجنب ردود الفعل المسيئة لصورة المغرب.
على النقيض، يقدم النقيب الجامعي موقف سياسي واضح وحاسم. يعتبر أن ما حدث “خطر وتحد واستفزاز وغزو، يختار مراكش عاصمة الموحدين لإشعال شمعة الخراب والهجوم المدبر على المغرب وعلى المغاربة وعلى مشاعرهم”. ويصف الواقعة بأنها “رسالة سياسية في زمن معين وفي سياق معين، تقول لنا وللعالم مباشرة: إنكم أيها المغاربة ومعكم المسؤولون كذلك، فاحترموا باب المغرب”. يدعو المسؤولين إلى “اختيار ما بين حماية المغرب وما بين بيعه”، في خطاب يتسم بالقطعية والتحذير من مخاطر جيوسياسية كبرى.
مواطنة إسرائيلية: المغرب أرضنا
بحسب المعلومات الواردة، تداولت وسائل التواصل مقطع فيديو لمواطنة إسرائيلية يهودية وجهت فيه تهديدات للمغاربة الذين يسبون إسرائيل، مدعية أن “أرض المغرب أرض اليهود بوعد من الله”، ومتهمة الناس بأنهم “يسبون الملك ويسبون اليهود”. يلاحظ المصدر أن ما ورد في الفيديو لا يتطابق مع الواقع، حيث يشير إلى أنه “لم يسب أحد الملك ولا أسرته”، بل على العكس”في نفس الفترة نجد على أرض الواقع حبا للملك وتمجيد شعبي بما يقوم به وأسرته لصالح البلاد.















