طافَ أبي رحمة الله عليه مدناً كثيرة طلباً للتّداوي. وكما هو معلوم، فمنطقة زاكورة أو تنغير أو الراشيديّة لا يرجى من مستوصفاتها ولا من مستشفياتها شفاءٌ ولا دواءٌ، بل كلّ ما فيها عناءٌ. أعتذر، ستجدون فيها ” البيتادِين”، فهو دواء لكلّ داءٍ.
وقد قضى رحمة الله عليه فترةً في مستشفى “سيدي حساين” ب”ورزازات ” أملاً أنْ يخفّفَ عنه الألمُ الذي ما فتئَ يفتكُ بكِليَتيْهِ فتكاً.
لا يخفى على أحدٍ حال خدماتنا الصحيّة اليوم ولا شكّ أنها كانت أردأُ، وتزداد رداءةً في مناطق مهجورة معزولة.
كانت حالته الصحيّة هشيشة لسنواتٍ وكان الألم يهاجمه على حين غِرّة والناسُ نيّام فيستسلمُ للأنينِ وسط جنح الظلام.
أتذكرُ بكثير من الحنين كيف كانَ إيمانه قويّا لا يزعزعه المرض مهما اشتدّت وطأتهُ، فيكفي أن ترسل الشمسُ خيوطَها الأولى لتراهُ منهمكاً في إعدادِ الشّاي وفي عينيه نفحة إيمانيّة وعلى ملامحه نورٌ سماويّ عجيبٌ.
إعدادُ الشاي بالنسبة له ليس مجرد فعلٍ بسيط، بل هو طقس له ضوابطهُ وحرمتُهُ التي يجب أنْ تُراعى، إذْ إنّ كلّ مرحلةٍ من مراحل الإعداد تأخذ وقتاً ليس بالهيّن، لأنّ كأس الشاي هو رفيقهُ الذي يُمَكّنُه من التّأمل من خلال النافذة وهو يُسبح الله تارة بلسانه وتارة أخرى بقلبه. سيجارة “كازا” لا تفارقه. كان يعلم أنّها مضرة، لكن “كازا” نفقٌ بلا منفذٍ…
حينما استفحل مرضه كانَ لا بدّ من أن ينتقل إلى الضّفة الأخرى. وصل إلى بلجيكا، وهناك تلقّى العلاجات الضرورية لأشهر.
هناك، في بلاد الأراضي المنخفضة، رأى الفوارق العظيمة التي تفصل قطاعهم الصحيّ القائم على تجهيزاتٍ حقيقية وقبل ذلك على حسّ المسؤولية وعلى الضمير وقطاعنا المبنيّ على العدمِ. كان رحمة الله عليه يحكي بنبرةٍ طفوليّة يملأها الإعجاب والانبهار عن الأطر الطبّيّة التي كانت تعاملهُ بلطفٍ واهتمامٍ لم يرَ شيئا منهما في مستشفيات بلاده،
بل كلّ ما عاشه بين جدرانها بؤس حقيقي ومواعدٌ سورياليّة وقطّاع طرق يجوبون ممراتِ المستشفيات المظلمة بحثاً عن ضحيّة ينتزعون منها قسراً رشوةً.
كان رحمة الله عليه يثني على الطبيب القائم على خدمته في بلجيكا ومن معه من ممرضين وممرضاتٍ، ذلك أنهم كانوا يعتنون به ويسارعون إلى تلبية مطالبه بلا كللٍ ولا ملل. يقفون بمحاذاة رأسه، يتحسسون موضع الألم وهم يبتسمون وغايتهم الكبرى طمأنته على وضعه الصّحيّ.
كان أبي يقول للتعبير عن عمق تأثره بإنسانيّة كل العاملين في ذاك المستشفى: إنّهم مسلمون.
هكذا إذن، رأى رحمة الله عليه الهوّة التي تفصل بين مستشفياتٍ قائمة على التهرّب من المسؤولية وعلى الاتجار في آلام الناس، مستشفيات يُطلب من المريض أنْ يدفعَ مقابل أنْ يتمدّد على سرير مهترئ في غرفة وسِخةٍ تفوح منها رائحةُ الدّماء كأنّك في مجزرةٍ للذبيحة السرّية، وبين مستشفيات فرعها في سماء الانسانيّة وأصلها ضمائرٌ حيّة…
كل التقدير والاحترام لكل الأطر التي تعمل بمهنية وبضميرٍ حيّ.













