احدى أخطر التحولات القيمية في مجتمعنا هي تراجع مفهوم القدوة. لم يعد الطفل او الشاب يبحث عمن يجسد قيمة عميقة، بل عمن يملك حضورا لافتا. الصورة غلبت السيرة، والانتشار غلب المضمون.
في السابق، كانت القدوة مرتبطة بالاتساق بين القول والفعل. اليوم يكفي خطاب جذاب أو حضور رقمي قوي ليمنح صاحبه مكانة مرجعية. هكذا تتشكل نماذج مؤثرة لكنها هشة، قادرة على الحشد لا على البناء.
فلسفيا، القدوة ليست شخصا كاملا، بل شخصا يعترف بحدوده ويسعى الى الاتساق. لكن حين تتحول القدوة الى منتج اعلامي، تفقد بعدها الانساني. تصبح محكومة بمنطق المتابعة والتفاعل، لا بمنطق الصدق الداخلي.
في رمضان، يتضاعف هذا المشهد. تتكاثر الخطابات، تتعدد الوجوه، ويتحول المجال العام الى ساحة تنافس رمزي. ليس الاشكال في تنوع الاصوات، بل في غياب معيار نقدي يميز بين العمق والسطح.
تآكل القدوة يترك فراغا خطيرا. فالمجتمع الذي لا يملك نماذج اخلاقية مستقرة، يترك افراده عرضة للتقليد العابر. ومع غياب القدوة المتزنة، تتضخم الفردانية، ويضعف الشعور بالمسؤولية الجماعية.
النقد هنا لا يستهدف الاشخاص، بل البنية الثقافية التي تصنعهم. نحن نكافئ الظهور اكثر مما نكافئ الاتساق. نحتفي بالكلمة المؤثرة اكثر مما نحتفي بالسلوك الصامت. وهكذا نعيد انتاج ازمة المعنى.
رمضان يمكن ان يكون لحظة لاعادة الاعتبار لفكرة القدوة الصامتة: الاب الذي يلتزم دون ضجيج، المعلم الذي يؤدي رسالته بصدق، الموظف الذي يرفض الرشوة ولو في صمت. هذه النماذج لا تتصدر المشهد، لكنها تحفظ تماسكه.
السؤال الذي ينبغي طرحه بحدة: من نصنع قدوة لابنائنا؟ ومن نصنع بطلا في وعينا الجمعي؟ الاجابة عن هذا السؤال تحدد مستقبلنا القيمي اكثر من اي خطاب موسمي.















