على امتداد أكثر من ربع قرن، ظلّ المشاهد المغربي يترقب إصلاحًا حقيقيًا في مشهد الإعلام السمعي البصري العمومي، و تحديدًا داخل أسوار “دار البريهي”، التي تحولت في نظر كثيرين من مؤسسة يُفترض أن تقود التطوير الإعلامي إلى عنوانٍ مزمن للاختلالات و التردد في اتخاذ قرارات الإصلاح الحقيقية.
لقد تعاقبت السنوات، و توالت معها الوعود، و ارتفعت الميزانيات تحت مبررات متعددة، قُدّمت في الغالب بشكل شفهي أو دون ربط واضح بالأهداف و النتائج.
كما شهدت المؤسسة تحولات هيكلية متكررة، تُرجمت أساسًا في توالد القنوات، و تضخم عدد المديرين، و تدوير نفس المضامين و البرامج بين قناة و أخرى، دون أي أثر ملموس على جودة المحتوى أو جاذبيته.
في مقابل هذا الجمود على مستوى المنتوج الإعلامي، سُجّل تحول لافت في منحى آخر : ارتفاع أجور و تعويضات فئة من المسؤولين، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول أولويات التدبير داخل الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة.
فبدل أن يواكب الإنفاق العمومي تحسنًا في الأداء و جودة الإنتاج، يبدو أن المعادلة انقلبت، حيث ارتفع الإنفاق دون أن يقابله تطور يُذكر، بل إن المؤشرات العامة توحي بتراجع واضح في مستوى المضامين.
و اللافت أن النقاش العمومي حول إصلاح الإعلام ظل حاضرًا بقوة، من خلال الندوات و التقارير و الشعارات التي رُفعت لسنوات، غير أن هذه الدينامية لم تتجاوز في كثير من الأحيان سقف الخطاب، لتبقى حبيسة التوصيات غير المفعّلة.
و مع كل موسم إعلامي، تتجدد موجات الانتقاد، لكن دون أن تُقابل بإرادة حقيقية للتغيير، أو حتى بتفاعل مؤسساتي يرقى إلى مستوى الانتظارات.
و في الوقت الذي شهدت فيه قطاعات عمومية أخرى تغييرات على مستوى القيادات بعد تسجيل اختلالات في التدبير، ظل قطاع الإعلام العمومي حالة استثنائية، يحتفظ بنفس الوجوه و نفس أساليب التسيير.
أما ما يُقدَّم كإجراءات تصحيحية، فيكاد ينحصر في إعفاءات محدودة تطال مديري قنوات أو مديريات، دون أن تمتد إلى تقييم شامل للسياسات العامة أو مساءلة حقيقية للمسؤوليات العليا.
إن غياب مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يؤدي فقط إلى تكرار الأخطاء، بل يكرّس مناخًا يسمح باستمرار الاختلالات، سواء تعلق الأمر بسوء التدبير المالي أو بالأخطاء المهنية التي تؤثر بشكل مباشر على صورة الإعلام العمومي و مصداقيته.
و هكذا، يتحول الفشل من حالة عارضة إلى نمط تدبير، و من استثناء إلى قاعدة.
أما على مستوى المحتوى، فإن ما يُعرض اليوم على شاشات الإعلام العمومي يعكس، في نظر شريحة واسعة من المتابعين، حالة من التراجع الواضح، حيث يغلب الطابع الروتيني، و تُعاد إنتاج نفس الصيغ البرامجية، في ظل غياب الإبداع و الجرأة في الطرح.
و هو ما يجعل جزءًا مهمًا من هذا المنتوج يصنف ضمن خانة “البرامج دون المستوى”، التي لا تستجيب لتطلعات جمهور أصبح أكثر وعيًا و تطلبًا.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر فقط بانتقاد أداء مؤسسة بعينها، بل بطرح سؤال أعمق حول جدوى الإصلاحات المعلنة، و حدود الإرادة السياسية و المؤسساتية في إحداث تحول حقيقي داخل الإعلام العمومي. فحين يستمر نفس الواقع رغم كل المؤشرات السلبية، يصبح من المشروع التساؤل: هل نحن أمام فشل في التدبير، أم أمام سياسة غير معلنة تُدير هذا الفشل و تعيد إنتاجه؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة ملحّة لإعادة الثقة في إعلام يُفترض أن يكون في خدمة المواطن، لا عبئًا عليه.















