في كل سنة، يتجدّد النقاش في المغرب حول طقس البيعة، الذي يُعد من أبرز المظاهر الرمزية المصاحبة لعيد العرش، حين يجدد كبار المسؤولين وممثلو المؤسسات الدستورية الولاء للملك.
ورغم الطابع التقليدي لهذا الطقس، فإن مواقف متحفظة بدأت تظهر، خاصة داخل بعض الأوساط السياسية والفكرية، ما يعكس جدلًا صامتًا حول مدى مواءمة هذا الطقس مع مقتضيات الدولة الحديثة والدستور الجديد.
أبرز المواقف العلنية جاءت من عمر بلافريج، النائب البرلماني السابق عن فيدرالية اليسار، الذي عبّر في عدة مناسبات عن رفضه الشخصي لفكرة البيعة، معتبراً إياها طقسًا لا يعكس العلاقة العصرية التي ينبغي أن تجمع بين الحاكم والمواطن.
بلافريج دعا إلى “عقد اجتماعي” جديد، يستند إلى الدستور والمؤسسات، بدل الاعتماد على طقوس رمزية تُستمد من ماضٍ تقليدي.
التحفظ لم يقتصر على بلافريج وحده. فقد أثار غياب عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة الأسبق، عن طقس البيعة في بعض المناسبات تساؤلات عديدة، خصوصًا أن حزب العدالة والتنمية لطالما أكد التزامه بالثوابت الوطنية.
إلا أن صمت الحزب إزاء غياب بنكيران فتح باب التأويل، دون أن يُقدَّم تفسيرا رسميًا يوضح موقفه من الطقس.
وفي سياق متصل، اختار علي بوطوالة، الكاتب الوطني لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، عدم تقديم البيعة بشكل شخصي حين كان عضواً بمجلس النواب، وهو ما أُدرج ضمن سلسلة من المواقف الرمزية لبعض النخب اليسارية التي طالما طرحت تساؤلات بشأن طقوس الحكم في المغرب.
وفي تفسير لهذه المواقف، يرى الدكتور موساوي العجلاوي، الباحث في الشؤون السياسية، أن البيعة في المغرب ليست مجرد طقس، بل هي “جزء من الشرعية التاريخية والدينية” التي تقوم عليها المؤسسة الملكية.
ويضيف أن هذا الطقس يرمز إلى استمرارية الدولة المغربية، ويجسّد علاقة خاصة تربط الملك بالشعب، بعيدًا عن التصنيفات الفقهية أو الدستورية الضيقة.
أما أستاذ القانون الدستوري، رشيد لزرق، فيؤكد أن البيعة “لا تتعارض مع روح الدستور”، بل تُكملها، بالنظر إلى الموقع المتميز الذي تحتله المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي.
ويشدد لزرق على أن أي نقاش حول رمزية البيعة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الخصوصية المغربية التي تجمع بين الأصالة والتطور الدستوري.
رغم هذا التبرير الأكاديمي والسياسي، تظل النقاشات حول البيعة محدودة في نطاق النخب، دون أن تتحول إلى مطالب حزبية أو نقاش شعبي واسع. فالسواد الأعظم من الأحزاب السياسية يلتزم الصمت أو يُعبر عن موقفه من خلال المشاركة المنتظمة في الطقس، باعتباره جزءًا من البروتوكول الوطني.
ومع أن الدستور المغربي لسنة 2011 عزّز مسار الدمقرطة وربط ممارسة السلطة بالمسؤولية والمحاسبة، فإن الرمزية الملكية ما زالت تحظى بإجماع واسع، وهو ما يجعل من البيعة، رغم تحفظ بعض الأصوات، طقسًا مستمرًا في المشهد السياسي المغربي















