تجد الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة نفسها مجددًا أمام جدل جديد، بعد تداول معطيات تفيد باستمرار تعاملها مع إحدى شركات الإنتاج التي يلاحقها القضاء في ملف يتعلق بشبهة تبديد أموال عمومية، في إطار قضية سبق أن طالت مسؤولين سابقين بالقناة الأمازيغية.
و رغم أن مسار التحقيق القضائي ما يزال مفتوحًا، فإن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن الشركة المعنية تُواصل إنجاز برامج لفائدة القناة الأولى،
كما أنها مرشحة للفوز بصفقة جديدة تخص القناة الأمازيغية، بعد توقيع محضر القبول التقني و المالي (CTF) في انتظار المصادقة النهائية من المجلس الإداري للشركة الوطنية.
هذا الوضع يثير نقاشًا قانونيًا معمقًا حول مدى احترام المؤسسة لمبدأ الاحتياط و الشفافية في تدبير الصفقات العمومية، خاصة وأن القانون المغربي، بمقتضى المرسوم المتعلق بالصفقات العمومية، ينصّ على ضرورة توفر شروط النزاهة و الملاءمة القانونية في المتعاقدين مع المرافق العمومية، و عدم تورطهم في أي قضايا أو شبهات تمس المال العام.
من زاوية قانونية صِرفة، يُعتبر الاستمرار في التعاقد أو تنفيذ اتفاقيات مع مقاول يخضع لمتابعة قضائية في قضايا مالية، إجراءً محفوفًا بالمخاطر القانونية و الإدارية،
لما قد يترتب عنه من مسؤولية تضامنية للمؤسسة في حال ثبوت الإخلال أو صدور أحكام إدانة.
و يُفترض في هذه الحالة أن تُفعّل الإدارة مبدأ التحفظ الإداري عبر تعليق أي تعامل إلى حين صدور حكم نهائي، ضمانًا لحماية المال العام وتطبيقًا لمقتضيات الدستور التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما يطرح هذا الملف تساؤلات جدّية حول دور مديرية الشؤون القانونية بالشركة الوطنية، التي تقع على عاتقها مسؤولية التأكد من سلامة الوضعية القانونية للمتعاملين مع المؤسسة، و التنبيه إلى أي وضعية قد تُشكّل خطرًا قانونيًا أو ماليًا.
فالتقاعس عن تفعيل آليات المراقبة واليقظة القانونية في مثل هذه الحالات، يُمكن أن يُعتبر إخلالاً بمبدأ حسن التدبير الذي يُلزم الإدارة بالتحرّي و ضمان المشروعية في جميع معاملاتها.
أما من الناحية الأخلاقية، فإن استمرار شركة متورطة في شبهات فساد في الاشتغال داخل القطب العمومي يُقوّض الثقة في آليات الحكامة الداخلية، و يُضعف مصداقية المؤسسة الإعلامية أمام الرأي العام.
إنّ الجانب الأخلاقي في التسيير العمومي لا يقلّ أهمية عن الجانب القانوني، إذ يُفترض في المؤسسات العمومية أن تُجسّد نموذجًا في احترام القانون والالتزام بقيم النزاهة و الشفافية، لا أن تكون موضع تساؤل أو شك.
و في هذا السياق، تتعالى أصوات عديدة مطالبة بضرورة اتخاذ تدابير فورية من طرف الجهات الوصية، تقضي بـتجميد التعامل مع كل المقاولات و الأشخاص المتابعين قضائيًا في قضايا ذات صلة بتبديد أو سوء استعمال المال العام، إلى حين صدور أحكام نهائية.
كما يُطالب هؤلاء بإرساء نظام مراقبة قبلية فعال للصفقات العمومية، يُمكّن من التحقق المسبق من الوضعية القانونية و المالية لكل متعاقد، حمايةً للمرفق العمومي من أي انحراف محتمل.
إن احترام القانون لا يُعد خيارًا إداريًا، بل التزامًا دستوريًا و أخلاقيًا يُكرّس الثقة في المؤسسات العمومية ويصون المال العام.
و من ثَمَّ، فإن أي تهاون في تطبيق مبدأ الاحتراز القانوني، في حالات من هذا النوع، يُعد إخلالًا جوهريًا بمسؤوليات التسيير السليم و الحكامة الرشيدة التي أقرها الدستور المغربي و مختلف النصوص التنظيمية ذات الصلة.















