* د. مهدي عامري
خبير التحول الرقمي، كاتب و استاذ باحث بالمعهد العالي للاعلام و الاتصال، الرباط، المغرب
نواصل سلسلة المقالات التي لا نروم من ورائها وصف الروبوتات، بل كشف الحجاب عن مآلات الإنسان في زمن الذكاء الاصطناعي . هذه سلسلة تقودنا إلى أعماق الذات البشرية، بعيدا عن شاشات الحاسوب، فوجهتنا بالضبط هي لبّ الوجود، دون زيف او ادعاء. موضوعنا اليوم يتجاوز الأكواد والبرمجيات، ليطال ما هو أعظم: روح الإنسان في عصر طيّ الزمان والمكان. إنه الذكاء الاصطناعي، بصفته اكثر من أداة اي كمرآة تعكس مآزقنا المعرفية والروحية.

بدايةً، لا بد أن نُفرّق – كما يُعلّمنا طه عبد الرحمن – بين “التمكُّن” من الشيء و”التحقُّق” به. فأن نبني آلة تفكر لا يعني أننا بلغنا بها مقام التفكير الحقيقي، بل لعلّنا بذلك زدنا بعدًا عن جوهر الفهم، و روح الإدراك، وصدق التأمل. و هذا الطرح ليس مبالغًا فيه البتة. فالعقل التقني، حين ينفصل عن الأخلاق، يصبح كمن يملك سيفًا لكنه لا يدري اين يوجه به الضربات. والذكاء الاصطناعي، وإن بدا كأنه الهبة العظمى للعلم الحديث، فهو أيضًا امتحان حقيقي للقلب.. و هذا يدفعنا للتساؤل: هل سنُبقي على صفاتنا الإنسانية في زمن اكتساح و ابتلاع التقنية لكل شيء ، أم اننا سنذوب في منطق الأداء السريع والفعالية القصوى ؟
من المؤكد أن الثورة الصناعية الرابعة لم تَعد شأنًا ميكانيكيًا فحسب، بل هي ثورة على المفاهيم الزمانية والمكانية التي عهدناها. فمن كان يظن أنّ كتابة تقرير علمي تحتاج شهرا، صار يتمّه في ساعة. ومن كان يرى في الجهد مرآة للمعنى، بات يشكّك في ضرورة التعب ذاته. و هكذا، تُختصر الحياة لا بالإنجاز بل بالسرعة، و بات يُقاس الإنسان لا بالروح، بل بكمية البيانات التي ينتجها. وفي هذا السياق، فان الخوف من الذكاء الاصطناعي عند قطاع عريض من الناس لا ينبع من حقيقته، بل من الجهل به. وكما يقول إدغار موران، “إننا في حاجة إلى فكر معقد، يحيط بالتناقضات بدل أن يُقصيها.” فالخوف المشروع ليس من الآلات، بل من الفراغ الروحي الذي يُخلّفه الإنسان حين يُفوّض ذكاءه لما لا يملك قلبًا ولا ضميرًا. غير أن نوح هراري له وجهة نظر أخرى في هذا الموضوع، إذ يذهب إلى أن الإنسان يسير نحو فقدان المعنى، لا لأن الآلة تُهدده، بل لأنه يتخلّى عن سرديته الخاصة. فحين نصير “كائنات قابلة للبرمجة”، فإننا نغدو خاضعين لاختيارات لا تصدر منّا، بل تُفرض علينا من شبكات أكبر منا. و انطلاقا من هذا لا يمثل الذكاء الاصطناعي الخطر الاكبر، بل انه بالاحرى الذوبان الكلي في منظومة رقمية تنزع منّا الوعي بذاتنا.
فهل الذكاء الاصطناعي من هذا المنطلق قادر على تحسين حياتنا، أم ان وظيفته الوحيدة تتلخص في برمجة وجودنا من جديد؟ وهل ما نراه من تسارع تقني في جميع الاتجاهات هو قفزة نحو المستقبل، أم انزياح عن المعنى و سقوط في الهاوية ؟
هذا غيض من فيض، فالمشهد أعمق مما يُرى على الشاشات و أخطر من أن يُختزل في التحديثات البرمجية. إننا نعيش زمنا تُكسر فيه مقاييس العقلانية التقليدية، ويُستبدل فيه “الحُكم الأخلاقي” بـ”الحُكم الخوارزمي”، و”الحدس” بـ”التحليل”، و”الروح” بـ”الرمز”. و ربما حان الوقت لنعترف أنّ الإنسان، وهو يُضاعف قدراته العقلية بوسائل الذكاء الاصطناعي، قد يُقزِّم قدراته القلبية والوجدانية، إذا لم يصاحب هذا التطور تحقّق روحي وتهذيب باطني. فالذكاء، في جوهره، ليس ما يُحسب، بل ما يُحسّ، وما يفيض عن الإدراك المنطقي إلى ذوق المعنى.
و بالمناسبة، وجب ان نعرف ان المعرفة ليست تكديسا معلوماتيا، بل هي سلوكٌ، وتزكيةٌ، وتحققٌ في المقاصد. وهنا تتبدّى الإشكالية الكبرى: كيف نتعامل مع كائن “يعرف” دون أن “يتذوق”؟ وكيف نزن القيمة حين تُنتجها آلاتٌ لا تعاني، ولا تحلم، ولا تُصلّي و لا تسجد ؟
هذا هو الواقع الصعب: نحن نركض بأقصى سرعة نحو مستقبل لا نكاد نفهم معالمه، ونُسلّم مقود الحياة لأنظمة تنفذ أوامرنا لكنها لا تُدرك نوايانا، ولا تفهم أسرار الإنسان، ولا تبكي حين تخطئ. فهل يُعقل أن يُقاد الإنسان إلى مصيره من قبل روبوتات لا تعرف مقام التوبة، ولا لذّة الشكر، ولا ألم الفقدان ؟
بصراحة.. شتان بين من يرى في الذكاء الاصطناعي وسيلة لتمكين الإنسان من بلوغ مدارج العرفان، ومن يراه نهاية للخصوصية، وانهيارًا للتجربة البشرية المتفردة. و شتّان بين من يستثمر فيه ليُحرر البشر من الحاجة، ومن يوظّفه ليحوّلهم إلى ارقام و اكواد ضمن شبكة استهلاك لا ترحم.
دعونا نلخص تاملاتنا اعلاه في النقاط التالية:
. الذكاء الاصطناعي ظاهرة تقنية بقدر ما هو مرآة روحية للإنسان.
. الخوف الحقيقي لا يجب ان يكون من الآلات، بل من أن يفقد الإنسان هويته وقلبه وكينونته في سبيل الجري وراء النجاعة.
. ان ما نحتاجه اذا ليس ذكاء أكثر، بل وعيا أعمق، ونية أنقى، وذوقا يقف على عتبة فورة الذكاء!الاصطناعي شاهدا فاحصا و مراقبا.
و في النهاية، نرى أن المسار نحو المستقبل ليس حتميا، بل خيارا وجوديا وأخلاقيا. فإما أن نُرافق الذكاء الاصطناعي بقسط وافر من الحكمة و الترشيد، و اما أن نصبح شهودًا على أفول الروح في لجج الخوارزمياتm.
ختاما، يحق لنا ان نطرح هذا السؤال الفلسفي :
إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على إعادة إنتاج كل شيء، فهل يبقى للإنسان شيء لا يمكن له استنساخه ؟















