شهدت الصحافة المغربية خلال العقد الأخير تحولات جوهرية في علاقتها مع مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت ظاهرة “البوز” محددًا رئيسيًا في اختيار المواضيع وزوايا التغطية.
هذه الظاهرة، التي ترتكز على إثارة الجدل أو الانفعال لتحقيق نسب مشاهدة وتفاعل مرتفع، طرحت تساؤلات حول حدود مهنية الصحافة وسط ضغط المنصات الرقمية.
في هذا السياق، يعتبر عدد من الإعلاميين أن التحولات التي عرفها المشهد الرقمي دفعت بعض المنابر الصحافية إلى اللهاث خلف المواضيع الرائجة، بدل أن تبادر إلى صناعة النقاش العمومي وصياغة أولويات الرأي العام.
فبدل التركيز على مضامين تحقق الإشباع المعرفي والمتابعة الرصينة، أصبحت بعض الوسائط تعتمد على ما هو مثير وجدلي، طمعًا في رفع نسب المشاهدة والتفاعل.
ويحذر هؤلاء من أن هذه الممارسة تفرغ العمل الصحافي من مضمونه التنويري، وتحوّله إلى مجرد صدى لما يُنتج خارج غرف التحرير.
وهو ما تؤكده الباحثة في الإعلام والاتصال سمية يحياوي، التي ترى أن “الاندماج غير المدروس بين متطلبات العمل الصحافي وميكانيزمات مواقع التواصل الاجتماعي أدى إلى تآكل الحدود بين المعلومة والإشاعة، بين الخبر والتحريض، وبين الصحافي والمؤثر”. وتضيف أن هذا الخلط ساهم في تفاقم أزمة الثقة في الإعلام، وأربك المتلقي العادي الذي لم يعد قادرًا على التمييز بين المصادر المهنية وتلك غير المؤهلة.
من جهة أخرى، تُبرز دراسات أنجزتها الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أن جمهورًا واسعًا من الشباب المغربي بات يفضّل استهلاك الأخبار عبر منصات مثل “تيك توك” و”يوتيوب”،
وهو ما يضع الصحافة أمام تحديات مركبة: المحافظة على جمهورها التقليدي من جهة، ومنافسة المحتوى السريع والمثير الذي تفرضه المنصات من جهة أخرى، دون التفريط في أخلاقيات المهنة.
بالمقابل، يرى بعض المهنيين أن “البوز” في حد ذاته ليس ظاهرة سلبية، بل يصبح كذلك حين يُستغل خارج سياق المصلحة العامة. ويُشدد الإعلامي يونس دافقير، في تصريحات سابقة، على ضرورة التمييز بين التفاعل الرقمي المشروع، والمحتوى الذي يُضخم قضايا هامشية ويُقصي القضايا الجوهرية. ويقول: “الصحافة التي تشتغل وفق معايير الخبر، لا تخاف من أن تكون خارج البوز، لأنها تخاطب العقل لا الغرائز”.
ويبقى السؤال المطروح: كيف يمكن استعادة التوازن بين إكراهات السوق الرقمي ووظائف الصحافة التقليدية؟
فبينما تفرض المنصات إيقاعًا سريعًا ومضامين قائمة على الجاذبية البصرية والانفعالية، تُفترض في الصحافة أدوار قائمة على التحقق، التأطير، والمساءلة.
وهو ما يتطلب، حسب مختصين، تعزيز التكوين، مراجعة نماذج التمويل، وتثمين الإعلام الجاد في السياسات العمومية.















