لم يعد السؤال المطروح اليوم حول الإعلام العمومي في المغرب هو ما إذا كان يحتاج إلى إصلاح، بل متى سيتحقق هذا الإصلاح فعلاً، وبأي إرادة وبأي كفاءات قادرة على إحداث التغيير الحقيقي الذي ينتظره المواطن المغربي منذ سنوات طويلة.
فبعد ما يقارب ربع قرن تحت نفس العقليات ومراكز القرار، ما زال المشهد الإعلامي العمومي يعيش على وقع الانتقادات المتكررة والاختلالات المتزايدة، بينما يتسع الفارق بين ما ينتظره الجمهور وما تقدمه الشاشات.
الإعلام العمومي، في جوهره، ليس مجرد وسيلة للترفيه أو لملء ساعات البث، بل مؤسسة ذات رسالة ثقافية وتنويرية وتربوية. ووظيفته الأساسية هي المساهمة في رفع مستوى الوعي المجتمعي وتقديم محتوى يحترم ذكاء المواطن ويواكب تطلعاته.
غير أن الواقع الذي يعيشه هذا القطاع اليوم يكشف صورة مغايرة، حيث يشتكي الجمهور من تفشي الرداءة وتكرار البرامج وضعف الجودة، في مقابل ميزانيات عمومية ضخمة وإمكانات تقنية وبشرية كان يفترض أن تجعل من الإعلام الوطني نموذجاً يحتذى به.
لقد مرت سنوات طويلة من الوعود بالإصلاح والتحديث. تضاعفت الميزانيات، وتكاثرت القنوات، وارتفعت الشعارات حول تطوير الخدمة العمومية. لكن على أرض الواقع ظل جوهر الإشكال قائماً: نفس المقاربات، نفس طرق التدبير، ونفس الوجوه التي تدير القطاع منذ عقود. والنتيجة أن التغيير الحقيقي لم يلامس عمق المنظومة، بل اقتصر في كثير من الأحيان على تعديلات شكلية لم تمس جوهر الأزمة.
والمفارقة التي تثير الكثير من علامات الاستفهام هي أن التحول الأبرز الذي شهده القطاع خلال هذه السنوات لم يكن في جودة البرامج أو في استعادة ثقة الجمهور، بل في تضخم أجور بعض المسؤولين وامتيازاتهم.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه المشاهد المغربي محتوى إعلامياً يرتقي إلى مستوى طموحاته، يجد نفسه أمام إعادة نفس البرامج بين القنوات، وتكرار الأعمال ذاتها، وانتشار مظاهر السطحية التي لا تنسجم مع دور الإعلام العمومي كمرفق ممول من المال العام.
هذا الوضع لم يؤثر فقط على علاقة الجمهور بالقنوات العمومية، بل انعكس أيضاً على الفاعلين داخل القطاع نفسه. فالفنانون يشتكون من الإقصاء، وعدد من شركات الإنتاج يتحدث عن احتكار غير معلن للسوق من طرف جهات محدودة، بينما يعبر العاملون داخل المؤسسات الإعلامية عن تذمرهم من اختلالات التدبير وغياب رؤية واضحة لتثمين الموارد البشرية. وفي المقابل، يبدو أن الاهتمام الأكبر ينصب على صفقات الإنتاج والشراء، بدل الاستثمار في تطوير المضمون الإعلامي ذاته.
الأخطر من ذلك أن الإعلام العمومي لم يعد يؤدي دوره في اللحظات المفصلية التي يكون فيها المواطن في أمسّ الحاجة إلى إعلام وطني قوي وموثوق.
ففي أحداث كبرى هزت الرأي العام، مثل مأساة الطفل ريان أو كارثة زلزال الحوز، وجد المغاربة أنفسهم يتابعون التغطية الأساسية عبر قنوات أجنبية أو منصات رقمية، بينما بدا الإعلام الوطني متأخراً أو غائباً عن المشهد في لحظات كان يفترض أن يكون فيها في قلب الحدث.
كما كشفت بعض الإخفاقات التقنية والتنظيمية في التغطيات الرياضية عن خلل عميق في منظومة التدبير، خاصة عندما اضطرت جهات خارج القطاع إلى التدخل لتدارك اختلالات كان من المفترض معالجتها داخل المؤسسات الإعلامية نفسها.
وما يزيد من حدة هذا النقاش أن معظم القطاعات الحيوية في الدولة شهدت خلال السنوات الأخيرة دينامية لتجديد المسؤوليات وضخ دماء جديدة في مواقع القرار، في إطار مبدأ التداول والتشبيب. غير أن قطاع الإعلام العمومي ظل إلى حد بعيد استثناءً، حيث بقيت نفس القيادات والرؤى تدير المشهد لأكثر من ربع قرن.
وهنا يبرز سؤال مشروع: إذا كان التقاعد قد شُرّع أساساً لإفساح المجال أمام الكفاءات الجديدة وضمان تجدد الأفكار والرؤى، فكيف يمكن لمن لم ينجح في تحقيق التحول المطلوب خلال خمسة وعشرين عاماً أن يقنع الرأي العام بقدرته على تحقيقه اليوم؟
إن الإصلاح الحقيقي للإعلام العمومي لا يمكن أن يكون مجرد شعارات أو وعود متكررة، بل يتطلب إرادة واضحة لفتح صفحة جديدة تقوم على الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكافؤ الفرص أمام المبدعين وشركات الإنتاج، والأهم من ذلك إعادة الاعتبار لرسالة الإعلام العمومي كخدمة للمجتمع، لا كمجال للتدبير الإداري التقليدي.
لقد فقد جزء مهم من الجمهور ثقته في الإعلام العمومي، لكن هذه الثقة ليست مستحيلة الاستعادة. غير أن استرجاعها يمر حتماً عبر إصلاحات عميقة وشجاعة، تبدأ بتجديد الرؤى والقيادات، وتنتهي ببناء إعلام وطني قادر على أن يكون صوت المجتمع ومرآته، لا مجرد شاشة تعيد إنتاج نفس الأخطاء ونفس الوعود المؤجلة.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل آن الأوان فعلاً لفتح ورش الإصلاح الحقيقي للإعلام العمومي؟ أم سيظل هذا القطاع أسير نفس الدائرة المغلقة التي استنزفت ربع قرن من الزمن دون أن تحقق التحول الذي ينتظره المغاربة؟















