رغم مرور أزيد من عشرين سنة على إحداث القناة الرياضية ضمن منظومة الإعلام العمومي، لا يزال سؤال الجدوى مطروحاً بإلحاح، في ظل استمرار مظاهر التهميش و سوء التدبير التي تطال هذه القناة، و تحول دون قيامها بالدور المنوط بها في تأطير المشهد الرياضي الوطني وإبراز كفاءته.
لقد أُنشئت القناة الرياضية لتكون منصة متخصصة قادرة على مواكبة الأحداث الرياضية الوطنية و الدولية، و تقديم محتوى مهني يواكب تطلعات الجمهور المغربي. غير أن الواقع يكشف عن مفارقة واضحة، حيث يتم في العديد من المناسبات تهميش أطر القناة و إقصائهم من تغطية التظاهرات الكبرى، لفائدة مصلحة الرياضة بالقناة الأولى، التي تُمنح لها الأولوية في التتبع و التغطية.
هذا الوضع لا يمكن اعتباره مجرد اختلال عابر، بل يعكس نمطاً متكرراً من التدبير القائم على قرارات تفتقد إلى رؤية استراتيجية واضحة، و تكرّس مركزية غير مبررة في توزيع الأدوار. فبدل الاستثمار الأمثل في الموارد البشرية التي تزخر بها القناة الرياضية، يتم تعطيل طاقاتها و الحد من مساهمة عدد من صحفييها، مما ينعكس سلباً على جودة المنتوج الإعلامي و يضعف ثقة الجمهور في الإعلام العمومي ككل.
و من بين أبرز تجليات هذا الخلل، اعتماد مقاربة مزدوجة في تغطية نفس الأنشطة الرياضية، حيث يتم بث الحدث عبر استوديو تحليلي على القناة الرياضية بمعلّقيها و خبرائها، و بالتوازي مع ذلك استوديو تحليلي آخر على القناة الأولى بطاقم مختلف.
هذا التداخل لا يعكس تكاملاً في الأدوار، بل يكشف عن غياب تنسيق فعلي، و يؤدي عملياً إلى تشتيت تركيز المشاهد و إرباك متابعته، بدل تقديم تجربة إعلامية منسجمة و واضحة.
فبدل توجيه الجمهور نحو قناة متخصصة تُفترض فيها الريادة في المجال الرياضي، يُترك أمام محتويين متوازيين يدفعانه إلى المقارنة، في صورة توحي بوجود تنافس داخلي غير مبرر. و هو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول خلفيات هذه الاختيارات، التي تجعل القناة الأولى تبدو و كأنها في موقع منافسة مع القناة الرياضية، بدل أن تقوم بدور داعم ومكمل لها داخل نفس المؤسسة.
و لا تقف مظاهر الاختلال عند هذا الحد، بل تتجلى أيضاً خلال التظاهرات الرياضية الكبرى، حيث يُلاحظ تغييب شبه كلي لدور القناة الرياضية، مقابل إسناد مهام التتبع و الإشراف لمسؤولين من خارجها، في حين يُختزل دور مسؤوليها في مواقع ثانوية. و هو ما يعزز الانطباع بأن الأمر لا يتعلق فقط بسوء تقدير ظرفي، بل بنمط تدبير يفتقد إلى منطق التخصص و يُضعف النجاعة المهنية.
و في امتداد لهذه الاختلالات، تبرز ممارسات داخلية تزيد من تعميق الأزمة، من بينها اعتماد مقاربة إقصائية تجاه عدد من الصحفيين دون مبررات مهنية أو تأديبية واضحة، و هو ما يحوّل تدبير الموارد البشرية إلى آلية غير متوازنة.
إذ يجد جزء من الأطر نفسه مثقلاً بمهام إضافية و ساعات عمل أطول لتغطية الخصاص، في حين يبقى آخرون خارج دائرة الفعل المهني رغم استفادتهم من نفس الأجور و التعويضات. هذه الوضعية لا تخلق فقط شعوراً بعدم الإنصاف، بل تُفرز مناخاً مهنياً مثقلاً بالإحباط، و تؤثر بشكل مباشر على المردودية و جودة الإنتاج، في ظل غياب عدالة حقيقية في توزيع الأدوار و المسؤوليات.
إن الإشكال الحقيقي اليوم لا يكمن في كفاءة الموارد البشرية، سواء داخل القناة الرياضية أو القناة الأولى، بل في طبيعة القرارات التي تُتخذ على مستوى الإدارة، و التي لا تقوم في كثير من الأحيان على رؤية سليمة أو على منطق التكامل بين مكونات الإعلام العمومي. فهذه القرارات لا تضر فقط بالقناة الرياضية، بل تنعكس سلباً أيضاً على القناة الأم، التي تجد نفسها منخرطة في أدوار لا تنسجم بالضرورة مع تموقعها، مما يخلق ارتباكاً في المشهد الإعلامي ككل.
و أمام هذا الوضع، يصبح من الضروري إعادة النظر في طريقة تدبير الإعلام الرياضي العمومي، عبر ترسيخ مبدأ التخصص، و توضيح الأدوار، و تمكين القناة الرياضية من القيام بوظيفتها الكاملة، مع طيّ صفحة الممارسات التي أفرزت الإقصاء و التهميش، و اعتماد مقاربة تكاملية تضمن الانسجام بين مختلف مكونات المؤسسة بدل تغذية التنافس الداخلي.
في النهاية، لا يمكن الحديث عن إعلام رياضي عمومي قوي و مؤثر دون قرارات مبنية على رؤية استراتيجية واضحة، تُحسن استثمار الإمكانيات المتاحة، و تُعيد الاعتبار للكفاءات المهنية، و تُفعّل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن توظيف كل الطاقات في مكانها الطبيعي، و يعيد الثقة في دور الإعلام العمومي كخدمة موجهة للمواطن قبل كل شيء.















