عندما ينظر المتتبع للسياسة العامة التي تنهجها المملكة المغربية يجد أنها في مجملها تنطلق مما جاء في تصدير الوثيقة الدستورية وهو تصدير بني على شقين متوازيين ومتوازنين :

أـ الشق الأول يخص التدبير الداخلي
<< إن المملكة… تواصل بعزم مسيرة توطيدوتقوية مؤسسات دولة حديثة ، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامةالجيدة ، وإرساءدعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالامن والحرية والكرامة والمساواة ، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية ، ومقومات العيش الكريم في نطاق التلازم بين حقوق و واجبات المواطنة……>>
إن هذا الشق من التصدير والذي يهم السياسات العمومية أوكل تنزيله إلى الحكومات المتعاقبة منذ اعتماد دستور 2011 : حكومة بنكيران و حكومة العثماني وحكومة أخنوش التي أنهت مؤخرا نصف ولايتها. عموما فإن الطابع الذي طبع مسيرة هذه الحكومات لا يرقى للأسف إلى ماتضمنه التصدير،
فضعف الحكامة الناجم أساسا عن اللحظات الأولى لتشكيل الحكومة والمنطق المتحكم في هذه العملية يفتح فيما بعد وبشكل متكرر الباب على مصراعيه أمام احتجاجات عارمة و ممتدة في الزمن تهم دائما قطاعات حيوية ذات بعد اجتماعي من قبيل التعليم والصحة والمهن الحرة والطلبة، كما تهم مجالات ذات طابع حقوقي تخص المرأة والأسرة والأراضي السلالية وبطالة الشباب ومشاكل المهاجرين سواء المغاربة او الوافدين على المغرب ،
كل ذلك في ظل موجة غلاء أنهكت قدرات ذوي الدخل المتوسط ، وأخرجت الفقراء من دائرة المواطنة الحقة كما بشرت بها الوثيقة الدستورية ( يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة ،وتكافؤ الفرص ومقومات العيش الكريم ،في نطاق التلازم بين حقوق و واجبات المواطنة ). على سبيل المثال لا الحصر اين التلازم بين حقوق المتقاعدين المعلقة والمنتظرة وواجباتهم المؤداة سلفا من شبابهم وفتوتهم ومشاركتهم في بناء مغرب اليوم فعن اي مواطنة نتحدث…..؟
إن ضعف حكامة حكومة ما يثقل كاهل الأجهزة الأمنية ويجعلها في مواجهة دائمة مع المحتجين ، ونحن نعلم أن من أبرز مهام الأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلاتها هو حفظ النظام واستتباب الأمن ،
أما موضوع السلم الاجتماعي فهو شأن حكومي وعلى اساسه يبنى صرح التنمية المستدامة. فاعتماد الحكومة كل مرة وحين على رمي الكرة إلى الأجهزة الأمنية لحل مشكل الاحتجاج هو مسلك غير ذي جدوى، وهو إعلان مسبق من الحكومة عن عجزها في حل الملفات التي جاءت من أجلها ،

ولكم في ملف طلبة الطب خير مثال : فالطلبة محقون في ان يدرسوا سبع سنوات لأنهم اجتازوا المباراة والتحقوا بالكلية ضمن هذه الشروط ، وإذا فكرت الحكومة في تقليص عدد سنوات الدراسة إلى ست سنوات فهذا يسري على من هم مقبلون على اجتياز مباراة الولوج هذه السنة بدون أثر رجعي ،وبالتالي فالطلبة الجدد أحرار في اجتياز المباراة او مقاطعتها.
النتيجة ، هي سنة ضائعة من التكوين مقابل انهاء مهام ايت الطالب والميراوي.ويظل السؤال معلقا بدون جواب، هل يتحملان تبعات فشلهما لوحدهما…؟ ألم ينسقا مع رئيس الحكومة….؟
إن التعديل بمفهومه العام وفي ابسط تعريفاته يقضي بأن المغادر لم يكن في مستوى المهام التي اوكلت له وأن الذي عوضه يمتلك من المؤهلات ما تجعله جديرا بمنصب سابقه ، وأن عملية تمرير المهام يجب ان يسبقها بلاغ مفصل او ندوة صحفية ، وفي الديموقراطيات العريقة
يحضر رئيس الحكومة لتقديم حصيلة نصف الولاية مشفوعة بمبررات التعديلات المزمع اعتمادها ، والغاية طبعا هوتجويد الأداء الحكومي وتمتين تماسك اعضاء الحكومة في أفق تحقيق الحكامة الجيدة .
أفتح هنا قوسا لأقدم مثالا بسيطا، عن وزارة التربية التي تلزم المدرسين عبر مذكرات داخلية بتصحيح الفروض والاختبارات بمعية التلاميذ ، ليتعرف هؤلاء على اخطائهم ليتجاوزوها لاحقا بعدما يحصلوا على نقط بالايجاب أوالسلب في إطار ما يعرف (برجع المردود لتصحيح المسار).
غير أن الحملات الإعلامية للأسف فردية كانت او مؤسساتية زاغت بالموضوع عن غاياته المثلى ، وركزت وسائل التواصل الاجتماعي على متاهة التخمينات (من سيطير ومن سيحط على كرسي الوزارة)
: ـ بـ ـ الثاني ، يخص العلاقات بالمحيط الإقليمي والدولي
<< إن المملكة الدولة الموحدة ، ذات السيادة الكاملة ،المنتمية إلى المغرب الكبير تؤكد وتلتزم بما يلي .
ـ العمل على بناء الاتحاد المغاربي كخيار استراتيجي
ـ تعميق اواصر الانتماء الى الأمة العربية والإسلامية ،و توطيد وشائج الأخوة والتضامن مع شعوبها الشقيقة
ـ تقوية التعاون والتضامن مع الشعوب والبلدان الأفريقية ولا سيما مع بلدان الساحل وجنوب الصحراء.
ـ تعزيز روابط التعاون والتقارب والشراكة مع بلدان الجوار الاوروـ متو سطي.
ـ توسيع وتنويع علاقات الصداقة والمبادلات الإنسانية والاقتصادية والعلمية والتقنية والثقافية مع كل بلدان العالم.
….>>
إذا كان الشق الأول من تصدير الدستور موكول إلى الحكومات أمر تدبيره كما اشرنا إلى ذلك في بداية هذا المقال فإن الشق التاني منه يكاد يكون حكرا على المؤسسة الملكية ولربما هذا مايفسر نجاح المغرب على الحفاظ على استقراره في محيط يتسم بعدم الاستقرار وقدرته على نسج علاقات تتسم بالحكمة حتى مع من يناصبه العداء في إطار ما يعرف بسياسة اليد الممدودة .
فعند تناول المؤسسة الملكية لملف من الملفات الخارجية نجد أن الملك يحضر بكافة وظائفه الدستورية :
ـ رئيس الدولة
ـ أمير المؤمنين
ـ حكم بين فرقاء
فإذا كان شخص الملك يتقيد بقيود رئاسة الدولة التي تضبطها قواعد الديموقراطية القائمة على الأغلبية والمعارضة، فإنه في حقل إمارة المؤمنين مقيد بشرط البيعة الذي يقوم على مبدأ الإجماع ،
وكل خروج عن الجماعة يقع تحت طائلة حدود شرعية واضحة ، وهنا قوة المغرب ـ الأمة وليس المغرب ـ الدولة فقط . وللتوضيح فالدولة لها مواطنون يحملون جنسيتها داخل حدود معترف بها دوليا ، أما الأمة فلها رعايا ،والعلاقة التي تجمع هؤلاء بأميرهم هي علاقة روحية ،كل ذلك يدخل في الثراث اللامادي الذي تتوفر عليه شعوب دون أخرى ،وهو كنز محفوظ في مدونة عرفية غير مكتوبة ،
وهنا مكمن خوف النظام الجزائري ، لأن رعايا أمير المؤمنين هم في المغرب أولا، وجزء منهم في الجزائر وكذلك في معظم دول الساحل وجنوب الصحراء ،وهذا أمر تم تثبيته منذ الدولة السعدية… إذن فنفوذ المغرب في شمال غرب أفريقيا هو نفوذ روحي بالأساس ،تم دعمه وتعزيزه في عهد الملك محمد السادس بالحضور السياسي القوي بعد العودة إلى المنتظم الافريقي سنة 2017، وبالحضور الاقتصادي عبر شركات استثمارية واسعة انفتحت حتى على بعض دول شرق القارة وفق منطق رابح رابح على خلفية قاعدة جنوب جنوب
هذا النفوذ معلوم لدى فرنسا منذ ان بدأت تجمع المعطيات السياسية والاجتماعية والثقافية عن المغرب في نهاية القرن التاسع عشر وقبل توقيع عقد الحماية سنة 1912 .وأمام التطور الاقتصادي الذي عرفه المغرب خلال العقدين الأخيرين وأمام انحسار النفوذ الفرنسي في دول الساحل (خصوصا مالي والنيجر وبوركينا فاسو) وفشل الدبلوماسية الجزائرية في احتواء هذه الدول ،
لم يكن أمام فرنسا الا دعم الوحدة الترابية المغربية سياسيا للحصول على حق الولوج إلى أفريقيا مرة تانية ، وهذه المرة عبر بوابة المغرب ضمن رؤية اقتصادية تقطع مع الماضي وتؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة تقوم على معادلة رابح رابح.
كما أن فرنسا تعرف جيدا ان المغرب أسس لعلاقات جد متوازنة مع الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ومع الشرق من خلال قطبيه الاساسيين،روسياوالصين
ـ لقد أرسى المغرب علاقات أمنية كبيرة وقوية ومستدامة مع امريكا ،فهو يتمتع الآن بصفة حليف استراتيجي لأمريكا خارج حلف الناتو ،
كما يشارك بصفة دورية ورئيسية في المناورات العسكرية التي تشرف عليها افريكوم في الاقاليم الجنوبية للمملكة.
ـ في نفس الآن استطاع المغرب ان يبني علاقات اقتصادية متينة مع روسيا وتزداد قوة مع مرور الوقت .
فبالإضافة الى أن روسيا هي المزود الرئيسي للمغرب بالحبوب والامونيا والفحم والبترول، فإن المغرب مدد اتفاقية الصيد البحري مع روسيا تشمل كافة السواحل المغربية ردا على قرار المحكمة الأوروبية غير الموفق وهي إشارة ضمنية للحياد الروسي من مسألة النزاع المفتعل حول اقاليمناالجنوبية،
بل ان من ضمن القرارات الاستراتيجيه لروسيا الاتحادية بغية اضعاف الدور الاوروبي هو تجديد اتفاقية الصيد البحري مع المغرب ابتداء من 2025 لمدة أربع سنوات ،وهذا يقوي تموقع المغرب ضمن قائمة الدول الكبرى التي تضع افريقيا صوب اهدافها الاقتصادية المستقبلية.
إن قرار المحكمة الأوروبية ، قدم خدمة كبيرة للمغرب من حيث لاتتوقع هذه المحكمة ، إذ أصبح للمغرب إمكانية التفاوض على ملف الصيد البحري بشكل ثنائي مع الدولة الاوربية المعنية عوض التفاوض مع كثلة اقتصادية موحدة و كبيرة
وما تفرضه هذه الكتلة من قيود وتحفظات تخص الأمن وحقوق الإنسان واقتناء التكنولوجيا والدعم العسكري والحصول على الأسلحة ومشاكل الهجرة وما الى ذلك. فالذين سعوا الى استصدار حكم المحكمة الأوروبية قدموا من حيث لا يدرون خدمة للمغرب ولقوته التفاوضية
لقد حافظ المغرب على الانفتاح على روسيا والغرب على حد سواء في المجالين السياسي والاقتصادي ، وهذا ظهر جليا في الفترة التي أعقبت اندلاع الحرب الروسية ـ الاوكرانيه وهو امتحان لم تتوفق فيه الجزائر نتيجة ضعف الاختيارات ومحدودية الأداء الدبلوماسي ولهذا تراهن دول كبرى على الخيار المغربي .
وفي نفس الإطار انفتح المغرب في السنوات الأخيرة على دول مثل الصين وتركيا والإمارات العربية المتحدة ، كل هذا يتم من خلال الحضور الشخصي للملك في ملفات الشراكة مع الدول سالفة الذكر ،ولعل أبرز مثال على ذلك الاتفاقيات الموقعة مؤخرا امام جلالته مع الجانب الفرنسي.
خلاصة القول ، إن النجاح الذي يحققه المغرب بقيادة الملك خارج حدوده السياسية يجب أن ينعكس ايجابا على تدبير الشأن الداخلي وأن يتسع صدر الدولة لملاحظات وانتقادات الفاعل الإعلامي والحقوقي ، والزيادة في تفعيل دور مؤسسات الرقابة الدستورية بكل اصنافها إعمالا لقاعدة ربط المسؤلية بالمحاسبة














