في خضم التحول الرقمي المتسارع الذي يعرفه المشهد الإعلامي المغربي، برز بودكاست “كلام في السياسة” للصحافي توفيق بوعشرين كظاهرة رقمية لافتة، محققا معدلات مشاهدة تعكس قدرته الاستثنائية على استقطاب الجمهور.
انطلق البودكاست بقاعدة أولية من المشتركين قاربت 19 ألف مشترك، ليشهد ارتفاعا صاروخيا وصل إلى 150 ألف مشترك-إلى حدود كتابة هذه الأسطر-محققا نسبة نجاح مذهلة بلغت 789% في فترة وجيزة.
وتتجلى الجاذبية الاستثنائية للبودكاست في الأرقام المبهرة لمشاهدات حلقاته، إذ تمكنت إحدى الحلقات من حصد 66 ألف مشاهدة خلال 16 ساعة فقط من بثها، مؤكدة على الاهتمام الفوري والجاذبية التي يحظى بها برنامج كلام في السياسة.
وتواصل الحلقات الأخيرة تحقيق مستويات مشاهدة مرتفعة باستمرار، فحلقة “الكلام خطير والصمت أخطر! صفقات أخنوش ورعب صدام وحكمة تشرتشل وقصص أخرى” تجاوزت نصف مليون بـ 513 ألف مشاهدة،
فيما وصلت حلقة “الحرية أهم من الخبز صدقوني.. خمس عقد في المنشار المغربي!” إلى 120 ألف مشاهدة.
أما حلقة “الوجه الخفي لاحيزون.. لماذا تجف قلوب الحكام من الرحمة؟” فقد تخطت 291 ألف مشاهدة،
بينما حصدت حلقة “مغاربة العالم أموال أكثر حقوق أقل / كأس العالم فرصة ومخاطرة!” 285 ألف مشاهدة، وحلقة “المملكة على صفيح ساخن.. الهدم/ الزلزال/ التطبيع” 185 ألف مشاهدة.
ويمكن تفسير هذا النجاح الاستثنائي بعوامل متعددة، يأتي في مقدمتها الرصيد المهني الثري لبوعشرين الذي أسس عددا من المؤسسات الإعلامية البارزة في المغرب، منها صحيفة “أخبار اليوم” التي اشتهرت بنهجها المستقل، وصحيفة “المساء” التي سرعان ما أضحت الجريدة الأولى في المغرب عقب ولادتها،
إضافة إلى الموقع الإخباري “اليوم 24” ومساهمات قيمة في الإعلام. هذا الرصيد المهني أكسبه مصداقية ومكانة متميزة، وسمح له بنقل هذه المصداقية إلى المنصة الرقمية.
ويتميز البودكاست بتقديم تحليلات معمقة تربط بين التحديات الديمقراطية والأزمات الاقتصادية،
ويتناول مجموعة متنوعة من القضايا الحساسة التي تهم الجمهور المغربي، بدءا من ملفات الحكامة والفساد، ومرورا بقضايا حرية التعبير، والعلاقات المغاربية، والقضية الفلسطينية، وانتهاء بالسياسات الدولية والتحديات المعاصرة، فضلا عن قضايا محلية كالتعليم والاقتصاد وتكاليف المعيشة.
ويعتمد بوعشرين في تقديم هذه المحتويات على أسلوب بلاغي رفيع يجمع بين اللغة العربية الفصيحة الأنيقة والتلقائية المدروسة، موازنا بين الجرأة في النقد واللمسة الساخرة أحيانا.
وقد وصف بنفسه أسلوبه، بأنه “مزيج بين العفوية المفكر فيها والتلقائية المتحكم فيها، التحليل والنقد وربما بعض الفكاهة”، مؤكدا سعيه لتقديم “حديث خفيف على القلب، مفيد للعقل”.
ويعكس نجاح بودكاست “كلام في السياسة” تحولا أوسع في المشهد الإعلامي المغربي، حيث بدأت المنصات الرقمية تكتسب أهمية متزايدة وتؤثر على أجندة وأسلوب وسائل الإعلام التقليدية.
وقد حظي هذا النجاح باعتراف من مثقفين ومتابعين ومهتمين تقاطعت آراؤهم في الإشادة بجودة المحتوى وأهمية عودة بوعشرين إلى الساحة الإعلامية كنافذة متميزة لقراءة الأحداث.
لا ننسى أن هذه العودة إلى المشهد الإعلامي جاءت عقب إطلاق سراحه بموجب عفو ملكي العام الماضي، مما أضفى بعدا آخر على استقبال الجمهور لبودكاسته، خاصة وأن الكثير من المنظمات الحقوقية والمتابعين لقضيته اعتبروا أن التهم التي وجهت إليه كانت ذات دوافع سياسية بسبب كتاباته النقدية.
يبقى الأهم في نجاح بودكاست “كلام في السياسة” هو قدرته على الاحتفاظ بمعدلات مشاهدة عالية عبر حلقات متعددة، مما يعكس قدرته على تلبية توقعات الجمهور وتقديم محتوى ذي قيمة فكرية وجاذبية مستمرة، وكذا فتح نقاشات معمقة حول قضايا حساسة تهم المواطن المغربي.
والجدير بالذكر أن نجاح بودكاست “كلام في السياسة” يتجاوز الأرقام والإحصائيات، ليرسخ نموذجا راقيا للإعلام الرقمي الجاد الذي يكشف زيف المحتوى الضحل وتهافت خطاب دعاة التفاهة. فالبودكاست لم يكتف بالاحتفاظ بمعدلات مشاهدة مرتفعة عبر حلقاته المتعددة،
بل نجح في تأسيس منصة فكرية تحترم ذكاء المتلقي وترتقي بمستوى الطرح الإعلامي من خلال عمق التناول وجودة المضمون، دليلا أن الإعلام الرقمي يملك القدرة على تجاوز الابتذال السائد وتقديم محتوى يثري النقاش العام ويسهم في تشكيل وعي نقدي.















