* د/ الحسين بكار السباعي
محلل سياسي وخبير إستراتيجي
مدير قطب إفريقيا والتعاون الدولي.
المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية
لا يتحرك التاريخ في خط مستقيم نحو سلام دائم، بل يدور في فلك ديناميكية سياسية صارمة تحركها ذاكرة الجروح الوطنية، فالإهانات بين الأمم لا تسقط بالتقادم وجروحها لاتندمل بالإعتدار، وإنما تؤجل ملفاتها حتى تكتمل عناصر القوة وصحوة الإرادة.
إن المشهد الدولي اليوم و في صيرورته العميقة، يثبت القانون الذي صاغه الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه حول إرادة القوة وجدلية الإنتقام، حيث تتحول اللحظة التي يبالغ فيها المنتصر بإذلال خصمه إلى بذور فنائه الحتمي، ليكتب بيده، مدفوعا بنشوة التفوق المؤقت، السطور الأولى في وثيقة إستسلامه القادم.
هذه الرمزية تجلت بأقسى صورها في قصر فرساي سنة 1919، حين ظنت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى أنها تصيغ سلام أبدي عبر إذلال ألمانيا، فإذا بها تؤسس لنظام عالمي مشوه قائم على الضغينة، سرعان ما فكك بنيته أدولف هتلر سنة 1940، الذي لم يكتف بنصر عسكري عابر على فرنسا، بل تتبع بعناية تفاصيل الإهانة الأولى ليعيد إنتاجها في ذات عربة القطار في “كومبيين”، ليؤكد أن الكرامة الوطنية والعامل النفسي هما المحركان الحقيقيان للجيوش والسياسات الخارجية، وليس مجرد العقود والمعاهدات الورقية.
هذا العيب البنيوي في قيادة العالم يفسره المفكر السياسي المؤرخ بول كينيدي في أطروحته الشهيرة حول التمدد الإمبراطوري الزائد، حيث تصاب القوى المهيمنة بـعمى القوة التي يعزلها عن إستشراف المستقبل، فتتعامل مع لحظة تفوقها العابرة بوصفها نهاية التاريخ بالمنظور الفوكويامي.
غير أن التاريخ لا يعرف الجمود، وبينما تعيش القوى الإمبراطورية طمأنينة الهيمنة، يشتغل الخصوم والصاعدون الجدد في الظل على تفكيك هذه الأحادية وإعادة بناء المشهد البديل.
وفي عالمنا اليوم يتجلى منطق قصر فرساي بصور جديدة متحررة من بروتوكولات القصور الباريسية، لتترجم في الواقع الجيوسياسي عبر تآكل هيبة القوى التقليدية وعجز القطب الواحد عن فرض إرادته المطلقة أمام فاعلين إقليميين وصاعدين إستطاعوا امتلاك أوراق اللعبة المحلية وحيدوا أدوات الردع التقليدية ليحولوها إلى عبئ عسكري وإقتصادي على أصحابها.
إن الانعطافة التاريخية التي نشهد ملامحها اليوم، وبالتحديد في وثائق التفاهم الإستراتيجية الأخيرة ،ومنها مذكرة تفاهم إسلام آباد بين الولايات المتحدة الأمريكية و إيران، لا تمثل مجرد تسوية دبلوماسية مؤقتة بل هي إعلان صريح عن نهاية عصر الإملاءات الأحادية.
فحين تلتزم قوة عظمى بحجم الولايات المتحدة بالوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية، وتتعهد برفع الحصار البحري وإبعاد قواتها، بل وتلتزم بالمساهمة في خطة إعادة إعمار بالمليارات وإنهاء العقوبات الشاملة مقابل ترتيبات نووية وإقليمية متبادلة،
فإننا لا نتحدث هنا عن تنازل تكتيكي، بل عن اعتراف قسري بالأمر الواقع الذي تفرضه القوى الناشئة على رقعة الشطرنج الدولية. هذا المشهد يعيد إلى الأذهان ما رصده الدبلوماسي والمفكر الإستراتيجي هنري كيسنجر بأن “الردع يفشل حين تفقد القوة العظمى القدرة على جعل التهديد ذا مصداقية، وحين يتعلم الخصم كيف يستثمر في مرونة الصمود النفسي والمناورة”.
بناءا على هذه المعطيات فإن النظام العالمي الجديد الذي يتشكل اليوم ليس نظام درامي تولد وثيقته في مؤتمر سلام تفرضه قوة عظمى على أخرى مهزومة، بل هو نظام تعددي هجين يولد من رحم المعارك الإقتصادية المتشابكة، والحروب السيبرانية والتحالفات الإقليمية المرنة.
فلن نشهد مجددا مشهد استسلام مهين في قاعة المرايا، لكننا نعيش بالفعل إستسلام تدريجي وبنيوي لفكرة الهيمنة الغربية المطلقة لصالح مراكز قوى متعددة تتوزع بين واشنطن وبكين وموسكو وعواصم قوى عالمية أخرى.
ختاما، إن القواعد الجديدة لإدارة العالم أصبحت تنحاز بوضوح لمن يملك التكنولوجيا، وممرات التجارة الحيوية، والقدرة العالية على الصمود النفسي والإستراتيجي، لتظل قصور الماضي ومنها قصر فرساي مجرد متاحف باردة تشهد على غفلة الأقوياء وعناد التاريخ الذي لا يتوقف عن الدوران.














