يقول الراوي:
نَسَائِمُ العُمرةِ تَهُبُّ عليك كأنها نَفَسٌ أسطوريٌّ في فجرٍ مُبَكِّرٍ. كانت المدينةُ تتهيّأُ لهذا النورِ، كأنّ السماءَ تغسلُ روحَها وتُرسِلُها في شكلِ بشرٍ يسعون بين الصفا والمروة، يطوفون حول البيت العتيق، وكلُّ قلبٍ هناك يوقن أنّه أقربُ من أيّ وقتٍ مضى إلى حضرة الواحد الأحد.
ما أجملَ هذه الحشودَ وهي تتدافعُ وتتزاحمُ في سبيل الله، لتبقى به وتفنى فيه، وكأنّها أسرارٌ لا يُفصح عنها إلا القُربُ المعلّقُ بعرشكَ يا رحمن..
يا لعظمتكَ إلهي، ويا جمالَ النبي! كم من قرنٍ مضى وهذه الأرضُ الشريفةُ تحضنُ هذا النور؟ كيف مرّ الحبيبُ من هنا، وكيف بقي أثرُه في كلّ شبرٍ منكِ يا طيبة؟ هنا، لا يوجد شيءٌ يُرى بالعينِ المجرّدة، فكلُّ شيءٍ يُبصَر بعينِ القلب.

حي على الصلاة…
حي على الفلاح…
الآن فقط فهمتُ معنى: “أرحنا بها يا بلال”.
الراحةُ في الأذان، ولكنّها ليست سكينةَ الجسد، بل هي طمأنينةُ الروح حين تُستدعى إلى مقامها الأوّل، إلى ذلك العهدِ الذي شهدت فيه الأرواحُ منذ الأزل أن لا إله إلا الله.
كنتُ أمشي وسط الجموعِ الغفيرة، وأشعرُ بأنّ كلّ خطوةٍ تَحمِلني بعيدًا عني، وتُقرّبني من حضرتك البهيّة. تلك الخطوة التي تطأُ بها رجلكَ الأرضَ، لا تنتهي في أيّ مكان، بل إنّها تُنبتُ نورًا في كلّ ذرّةٍ من سماوات الروح.
تذكّرتُ جدّي العربي. كان يقرصُ وجنتي بلطفٍ حين كنتُ طفلًا لا أتجاوزُ الخامسة. كانت يدُه خشنةً من العملِ في الحقول، ولكنّها كانت تحملُ من الحنانِ ما تعجزُ عن الإفصاح به أفخمُ وأعمقُ الكلمات.
كان بّا سيدي يقول لي:
“يوسف، هذه الطنجرة…” — ويُشير إلى طنجرةٍ نحاسيّةٍ موضوعةٍ فوق طاولةِ المطبخ — “هذه عمرُها من عمرك. اشتريناها أنا وجدّتكَ قبل أن نقفَ بجبلِ عرفة، وكانت أمّك في المستشفى.
وكان المخاضُ غيرَ عسير، والحمد لله. وأخرجتكَ أمُّك إلى العالم. أتيتَ إلى الوجودِ ونحن واقفان بعرفة، نلهجُ إلى مولانا بالدعاء. كنّا منخرطين في بكاءٍ حارّ:
” يا ربّي، ارزق سعيدةَ الذريةَ الصالحة، وكبّر ولدَها في طاعتك، وأنبته نباتًا حسنًا.”
والآن أنا في مكة، في نفس المكان، وأسمع بكاءَ جدّي العربي يخرج من أوردتي، كأنّ دعاءه ما زال يتردّد في الزمان، وفي أروقة الكعبة، وفي ماء زمزم، وفي الصفا، وفي المروة…
أقفُ هنا، وتلك الطنجرة ما زالت هناك، على طاولةِ المطبخ، شاهدةً على يدٍ إلهيّةٍ حنونةٍ عظيمةٍ عجنتني بماءِ الحياة…
أذكرُ جدّي العربي وهو يزورنا كلّ جمعة، يحمل في جيبِه لنا — أنا وأختي سكينة — حفنةَ سكاكر وكمشةً من الفولِ السوداني. لم يكن كثيرَ الكلام، ولكنّ عينيه كانتا تحكيان كلّ شيء…
وقال لي ذاتَ يوم:
“المؤمنُ يمشي إلى الله على جُرحه، لا على قدميه. إن تألّمتَ، فاعرف أنّك على الطريقِ الصحيح.”
وهنا في مكة، فهمتُ كلامه تمامًا. فكلُّ ألمٍ شعرتُ به كان جزءًا من العبادة. الزحام، التعب، حرارة الشمس، كلُّها كانت صلاةً صامتة، وكلُّ دمعةٍ نزلت هناك كانت خرزة في مسبحة الملكوت.
وفي المدينة، مرّت امرأةٌ بجانبي في الحرم، وهي تحمل طفلًا نائمًا على صدرها، وكانت تهمس بدعاءٍ لا يسمعه أحد. وشعرتُ أنّ كلامها يسبقها إلى السماء. ليس لأنّ كلماتها صادقة، بل لأنّ قلبها كان يفيضُ بحبّ الله.
وأيضًا في المدينة، رأيت شيخًا مسنًّا يرفعُ يديه إلى السماءِ بالدعاء، ثمّ يُنزلها ماسحًا قلبَه، وكأنّه يحتضنُ الله في أعمق نقطةٍ من كيانِه.
ما هذه القوّة التي تجعلُ الإنسانَ يُذيبُ كبرياءَه في لحظةٍ واحدة؟
ما هذه القدرةُ الربّانية التي تجعلُ الدموعَ همزةَ الوصل بين السماء والأرض؟
في مكة والمدينة، لا تحتاجُ إلى أن تتكلّم كثيرًا، لأنّ الله يسمعُ صمتكَ، وأنينَ قلبك، و يحسُّ بك خائفًا، محبًّا، مُقبلاً عليه، مُشتاقًا له…
“يوسف”…
همسَ صوتٌ في داخلي. لا أدري إن كان حُلمًا أو ذِكرى:
“هل ترى كم أحبّكَ الله حتى دعاكَ إلى بيتِه؟”
نعم، اللهُ دعاني، رغم كلِّ ضعفي، ورغم لحظاتِ التيه، رغم كلّ الذنوبِ التي حملتُها على كتفي، ها أنا هنا، واقفٌ بين يديه، أطلبُ عفوه، وأسأله ألّا يطردني بعد أن ذقتُ حلاوةَ القُرب.
يا مكة، يا أرضَ الحنينِ الأوّل، كم من الأرواحِ نضجت فيكِ؟ كم من الدموعِ صعدتْ منكِ كالبخور، وفتحتْ بابًا في السماء؟
و غير بعيد كان رجلٌ بجانبي ظلّ يكرّر:
“اللهمّ لا تجعلني أعود كما كنت”.
وكان يبكي بكاءً يشقُّ القلب. و شعرتُ أنّه لا يتحدّث عن ذنبٍ واحد، بل عن حياةٍ كاملة، أراد أن يولد منها من جديد.
وكانت السماءُ صافيةً، كأنّها تنتظرُ أن تُفتح لنا أبوابُ المغفرة..
* كاتب و استاذ باحث
المعهد العالي للاعلام و الاتصال. الرباط














