ثمة فرق جوهري بين صحفي يكتب خائفاً، وقارئ يخاف على ما يُكتب. الأول أسير قيد لا يراه أحد، والثاني شاهد على خسارة لا يشعر بها إلا حين تغيب الصحافة الحقيقية عن حياته فجأة، كمن يفقد حاسة لم يُقدّر قيمتها إلا بعد الفقد.
المغرب اليوم يعيش الحالتين معاً.
صحافة الخوف لا تُعلن عن نفسها. لا تأتيك بيان رسمي يقول إن هذا الموضوع ممنوع وذاك التحقيق محظور.
تعمل في الخفاء، داخل غرف التحرير، بل داخل رأس الصحفي نفسه. هي تلك اللحظة التي يكتمل فيها المقال ثم تتوقف الأصابع فوق زر النشر.
هي تلك الجملة التي تُحذف ليس لأنها خاطئة، بل لأنها صحيحة أكثر مما يجب. هي ذلك المصدر الذي يُفضّل السكوت على الكلام لأن الكلام بات مكلفاً.
التقرير السنوي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية برسم 2025-2026 لا يصف شيئاً آخر. حين يتحول القانون الجنائي إلى سيف مسلط على رقاب الصحفيين بدلاً من قانون الصحافة الذي وُجد أصلاً لتنظيم المهنة، فالرسالة لا تستهدف المتابَعين وحدهم، بل تستهدف كل من لم يُتابَع بعد. والأخطر أن هذا الأثر التخويفي لا يُقاس في المحاكم، بل يُقاس في ما لم يُنشر.
أما الخوف على الصحافة، فهو وجه آخر للأزمة ذاتها، أشد رهافةً وأعمق دلالة.
هو قلق من يرى مؤسسات الرقابة الذاتية للمهنة تُعاد هيكلتها بيد السلطة لا بيد أهلها.
من يرى الهيئة التي أُسست لحماية الصحفيين تتحول تدريجياً إلى أداة لضبطهم.
من يرى كفاءات تُغادر القطاع مرغمةً، إما نحو مهن أخرى أو نحو منافٍ اختيارية، تاركةً خلفها فراغاً لن تملأه الشاشات المضاءة ولا المنصات الصاخبة.
الخوف على الصحافة هو أن تجد نفسك أمام واجهة إعلامية تبدو مكتملة، بأصوات وألوان وإيقاع متسارع، لكنها في جوهرها خاوية من الجرأة التي تجعل الصحافة صحافة.
بين هذين الخوفين يضيع المواطن المغربي، لا يعرف ما لم يُقَل له، ولا يُدرك حجم ما يُحجب عنه. والديمقراطية التي لا تقوم على إعلام حر، ليست ديمقراطية ناقصة فحسب، بل هي ديكور جميل لغرفة مظلمة.
المطلوب اليوم ليس الدفاع عن الصحفيين فقط، بل الدفاع عن الحق في المعرفة. لأن حين تخاف الصحافة، يُصبح الجميع أعمى في وضح النهار.














