* حسن المولوع
للأسف، وبمحض صدفة مؤلمة، صادفت منشورا للسيدة حنان رحاب، نائبة رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، وعضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي، وصحفية بجريدة الأحداث المغربية.
منشور أرادت من خلاله التموقع في صف “الديمقراطيين”، وهي التي كانت بالأمس جزءا أصيلا من كل ما وصل إليه وضع الصحافة اليوم من تردٍّ وتفكك وانحدار.
أن تتحدث السيدة رحاب عن “عملية انتخابية سابقة” باعتبارها مفصّلة على المقاس، وأن تتهم من ينتقد مشروع القانون الحالي بمعاداة الديمقراطية، فذلك منتهى العبث السياسي والنقابي. فالجميع يعلم، وهي أول العارفين، أن القانون الحالي للمجلس الوطني للصحافة كان نتيجة اتفاق مغلق تم سنة 2016 بين وزارة الخلفي، والنقابة التي تنتمي إليها، والفدرالية المغربية لناشري الصحف. فالقانون لم يخرج من نقاش عمومي ولا من رؤية إصلاحية، بل خرج من مكاتب ضيقة، وفق منطق تقاسم النفوذ، وتوزيع المواقع، وتمرير هندسة مسبقة لقطاع بأكمله.
الأدهى أن من يتحدث اليوم عن الديمقراطية لم يقدّم أي نقد للممارسات التي عرفها المجلس الوطني للصحافة خلال ولايته المنتهية، ولم يصدر موقفا واحدا عندما تم تمرير قانون اللجنة المؤقتة بشكل يخالف الدستور، ودون استشارة للمهنيين، ولا حتى إصدار تقارير دورية شفافة عن المال العام، أو عن عمل اللجنة ذاتها.
فهل مشروع القانون الجديد يتماشى فعلا مع الدستور، وتحديدا مع الفصل 28 الذي ينص بوضوح على أن التنظيم الذاتي للصحافة يجب أن يتم بطريقة ديمقراطية ومستقلة؟
أين هي الديمقراطية في تعيين ممثلي الناشرين على أساس رقم المعاملات؟ وأين هي الاستقلالية حين يتم احتساب عدد المقاولات وفق منطق رأسمالي يعطي من يملك المال أضعاف من يملك التجربة والمهنية؟ وأين التعددية حين تُختزل تمثيلية الناشرين في أربعة مقاولات تتحكم في الأغلبية داخل المجلس؟
هذا المشروع لم يأتِ نتيجة مشاورات مع الصحافيين، ولم ينبثق عن حوار حقيقي مع المكونات المهنية المستقلة، ولم تسبقه دراسة للأثر، ولا تقييم موضوعي لتجربة اللجنة المؤقتة التي امتدت لسنتين دون أي تقارير منشورة، ولا بيانات مالية، ولا حصيلة واضحة للرأي العام.
إذ ما زالت اللجنة تتصرف كما لو أنها فوق المساءلة، وهي تدير قطاعا من المفترض أنه مؤطر بقواعد الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
الغريب أن النقابة الوطنية للصحافة المغربية، التي ترفع اليوم شعارات التمثيلية والانتخاب، لم تصدر إلى حدود الآن أي موقف رسمي من المشروع المعروض، وكأن الأمر لا يعنيها، أو كأنها بانتظار تفاهمات تحت الطاولة لتبرير ما لا يمكن تبريره علنا.
والأسوأ من ذلك، أن بعض الأصوات داخل النقابة نفسها أصبحت تخشى مجرد تنظيم انتخابات حقيقية وشفافة، لأنها تدرك أن وزنها التمثيلي الحقيقي لا يساوي شيئا أمام غضب القواعد المهنية التي ملت الوصاية، والتعيين، والتسيير من فوق.
والحقيقة أن القوانين المنظمة للقطاع اليوم ليست مفروضة من الخارج، بل هي نتيجة مباشرة لصياغات أنجزتها النقابة نفسها بتنسيق مع الوزارة، وبرعاية ضمنية من فدرالية الناشرين التي كانت تضم آنذاك أعضاء من الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين.
وإذا كنتم تعتبرون اليوم أن هذه القوانين إقصائية أو غير ديمقراطية، فاعلموا أنكم أول من هندسها، وأول من دافع عنها، وأول من استفاد منها. لقد ردت إليكم بضاعتكم، فبدل الشكوى، كان الأجدر تقديم النقد الذاتي ومغادرة مشهد المزايدة.
إننا أمام مشهد بالغ الخطورة، عنوانه أن هناك من يسعى لتحويل المجلس الوطني للصحافة إلى نسخة إعلامية من “الاتحاد العام لمقاولات المغرب”، حيث المال هو المعيار، وحيث منطق السوق هو الحكم، وحيث تمثيلية الصحافيين تُركت للانتخاب، بينما تمثيلية الناشرين تُسلّم على طبق من ذهب لمن يملك المليارات.
ولأننا نعيش في دولة مؤسسات، فإن مؤسسات الحكامة المنصوص عليها في الباب الثاني عشر من الدستور مطالبة اليوم بالخروج عن صمتها. فالهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها مطالبة بالتحقيق في تضارب المصالح، ومجلس المنافسة عليه أن يتدخل لوقف التمركز الاقتصادي داخل مؤسسة تنظيمية، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان مدعو لإصدار رأي استشاري حول مدى احترام المشروع للتعددية الإعلامية وحرية التعبير، ومؤسسة الوسيط لا بد أن تلعب دورها في الإنصات للمهنيين الذين تم إقصاؤهم، أما المجلس الأعلى للحسابات فيجب أن يفتح افتحاصا شاملا لمالية المجلس الوطني، وللجنة المؤقتة، ولشبهات سوء التدبير المالي والإداري.
كل ذلك لا يعفي البرلمان من مسؤوليته. فليس من حق أي أغلبية أن تمرر قوانين تمس جوهر الديمقراطية المهنية دون مشاورات، ودون تقارير، ودون ضمانات دستورية وأخلاقية. وإذا استمرت الحكومة في هذا النهج، فإن الفصل 42 من الدستور يظل مفتوحا للمهنيين للجوء إلى مسطرة التحكيم الملكي، باعتبار أن الملك هو الضامن لاستقلال المؤسسات، خاصة عندما تختل التوازنات، وتتغول الجهات، وتُغلق أبواب النقاش.
الصحافة في المغرب ليست ملكا لحزب أو نقابة أو فدرالية. هي سلطة دستورية مستقلة، تُستمد شرعيتها من المجتمع، لا من توافقات داخل الكواليس. وهي اليوم في مفترق طرق: إما أن تنتزع استقلالها بالحق والقانون، أو تُسلم بالكامل إلى منطق المقاولة، والترضيات، والتعيين.
لقد بدأ زمن المواجهة. والمهنة اليوم لا تحتاج خطبا، بل مواقف، ولا تحتاج بلاغات، بل تحركات، ولا تحتاج من يبرر، بل من يُحاسب.
والمستقبل لن يكون إلا لمن اختار الاصطفاف إلى جانب المهنة، لا إلى جانب من أكلوا جسدها ثم بكوا على أطلالها.















