قرار المحكمة الدستورية في إعادة مشروع المجلس الوطني للصحافة إلى مسطرة التشريع مع أخذ بعين الإعتبار الملاحظات الشكلية والجوهرية المطابقة للدستور، لم يكن تفصيلاً تقنياً عابراً،
بل لحظة فاصلة أعادت طرح سؤال جوهري حول طبيعة المجلس الوطني للصحافة: هل هو هيئة مهنية مستقلة تقوم على التوازن والتعددية والحياد، أم مجرد إطار قانوني قابل للاختلال كلما غابت الضمانات الدقيقة؟ فالتعديلات التي بات القانون مطالباً بها اليوم لا تمس الشكل، بل تمس جوهر الحكامة المهنية ومستقبل تنظيم المهنة برمته.
أول ما يفرض نفسه هو الخلل الواضح في توزيع المقاعد داخل المجلس. حين يفوق عدد ممثلي الناشرين عدد ممثلي الصحافيين المهنيين، فإن ميزان التمثيل يختل، وتتحول الهيئة من فضاء شراكة مهنية إلى فضاء تغليب لمصالح طرف على حساب طرف آخر. والمجلس، في جوهره، ليس غرفة للناشرين ولا نقابة للصحافيين، بل مؤسسة يفترض أن تقوم على توازن دقيق بين من يمارس المهنة ومن يمتلك وسائلها.
إعادة هذا التوازن لم تعد خياراً سياسياً أو مطلباً فئوياً، بل ضرورة دستورية ومهنية لضمان شرعية المجلس ومصداقية قراراته.
ولا يقل خطورة عن ذلك منطق الاحتكار الذي كرسته طريقة تمثيل منظمات الناشرين. حين تستحوذ منظمة واحدة، لمجرد حصولها على أكبر عدد من الأصوات، على جميع المقاعد المخصصة لفئة كاملة، فإن التعددية تُفرغ من مضمونها، ويُختزل التنوع المهني في صوت واحد وخط واحد وتصور واحد.
المجلس الوطني للصحافة لا يمكن أن يُبنى على منطق “الغالب يأخذ كل شيء”، لأن تنظيم المهنة يقتضي الاعتراف بتعدد المرجعيات وتنوع الرؤى داخل الجسم المهني، لا تكريس الهيمنة التنظيمية باسم الشرعية الانتخابية.
أما في مجال التأديب والأخلاقيات، فإن الإشكال يتجاوز الشكل إلى صميم العدالة المهنية.
مشاركة رئيس لجنة الأخلاقيات في لجنة الاستئناف التأديبية تمثل خرقاً صريحاً لمبدأ الحياد، وتحوّل الاستئناف إلى مجرد امتداد للقرار الأول بدل أن يكون فضاءً مستقلاً للمراجعة والتصحيح.
لا عدالة دون فصل واضح بين من يصدر القرار ومن يراقبه، ولا مصداقية لمساطر تأديبية لا تضمن استقلال الهيئات وتكافؤ الفرص بين الأطراف المعنية.
ويبرز أخيراً إشكال القابلية للتنفيذ في انتخاب رئيس المجلس ونائبه. ففرض عدم انتمائهما إلى نفس الجنس، دون وضع شروط وآليات عملية تضمن احترام هذا المبدأ، يحوّل القاعدة من ضمانة دستورية إلى قيد نظري قابل للتعطيل أو الالتفاف.
المناصفة لا تُفرض بالشعارات، بل تُبنى بنصوص دقيقة، ومساطر واضحة، وشروط ترشيح وانتخاب تجعل المبدأ قابلاً للتطبيق لا مجرد إعلان نوايا.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر بتعديلات تقنية معزولة، بل بإعادة بناء فلسفة كاملة لتنظيم المهنة.
قرار المحكمة كشف هشاشة بعض الاختيارات التشريعية، وفتح فرصة نادرة لتصحيح المسار قبل أن يتحول المجلس إلى هيئة فاقدة للشرعية والتمثيلية والثقة.
اليوم، لم يعد السؤال: كيف نعدّل القانون؟ بل: أي مجلس وطني للصحافة نريد؟ مجلس التوازن أم مجلس الهيمنة؟ مجلس التعددية أم مجلس الاحتكار؟ مجلس الحياد أم مجلس تضارب الأدوار؟
الجواب عن هذه الأسئلة هو ما سيحدد فعلاً مستقبل الصحافة المغربية، لا نصوص القانون وحدها.














