لعل أصعب المفاهيم وأكثرها تعقيدا في مواجهة الفكر الإنساني هو مفهوم الحرية،وربما لهذا السبب تم وصف الحرية بمدلول العموم، فنقول الحرية او الحريات العامة، وهذا يشير بشكل واضح إلى أنه كلما ألحقنا كلمة (عامة ) بمفهوم ما إلا وسمح للدولة بالتدخل باعتبارها الجهاز الموكول له بقوة القانون تدبير الشأن العام .

إن ممارسة الأفراد لحرياتهم في مواجهة بعضهم بعضا او في مواجهة السلطة يقتضي بالضرورة تدخل الدولة ، حتى تتمكن من فرض النظام عن طريق توقيع الجزاءات على من يخل بهذا النظام. فمجتمع بدون حرية يعني مجتمع الاستبداد، وحرية بدون ضوابط قانونية تساوي مجتمع الفوضى، ومهمة نساء ورجال القانون هي التوفيق بين السلطة وإكراهاتها والحرية وانزلاقاتها.
إن الحريات العامة التي يفترض ان يتمتع بها المواطنات والمواطنون داخل اي دولة هي حرية الفكر، وحرية الصحافة، وحرية التجمع،لأنها من صميم الديمقراطية السياسية التي يتوق إليها الأفراد داخل أسوار دولتهم لأن منسوب الحرية هو موضوع تفاخر بين الأمم ؛ فالمنظمات الدولية كالأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي على سبيل المثال لا الحصر إنما يتعاملان مع الدول ويصنفانها فقط وفق مدى احترامها للحريات على مستوى التشريع أولا وعلى أرض الواقع تانيا.
إن الدولة موكول إليها تنظيم ممارسة الأفراد والجماعات لأنشطتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بعيدا عن كل إكراه شريطة الامتثال للقوانين واللوائح المعمول بها واحترامها ليس فقط لكونها مقترنة بالجزاءات بل ، وهذا هو الأهم ، لأنها صمام أمان يقي الفرد من كل تهديد قبل ان يقي المجتمع.
مع دخول الحماية الفرنسية للمغرب،وفي إطار الإصلاحات التي عرفتها الهياكل المخزنية العتيقة، بدأ تقنين الحريات العامة، وفي هذا الصدد صدرت سنة 1914 ظهائر تنظم الصحافة، والتجمعات العمومية، ومع حصول المغرب على استقلاله السياسي جاءت ظهائر 1958، وما لحقها من تعديلات يمكن اعتبارها بداية لوضع بناء قانوني للحريات العامة بالمغرب ، ويمكن إجمال هذه القوانين فيما يلي :
_ ظهير شريف 158376 الصادر في 15 نوفمبر 1958 يضبط حق تأسيس الجمعيات
_ ظهير شريف 158377 الصادر في 15 نوفمبر 1958 في شأن التجمعات العمومية
_ ظهير شريف 158378 الصادر في 15 نوفمبر 1958 بشأن قانون الصحافة والنشر
_ قانون رقم 004.71 الصادر في 12اكتوبر 1971 يتعلق بالتماس الإحسان العمومي
واعتبارا لالتزامات المغرب من أجل تعزيز وحماية حقوق الإنسان وضمان الحريات، فقد عمل على ملاءمة تشريعاته مع الاتفاقيات الدولية ، وأكد دستور 2011 هذه المبادئ في ديباجته التي تقضي بتعهد المملكة المغربية باحترام حقوق الإنسان وتشبتها بمبادئها كما هي متعارف عليها دوليا، وجعل الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب، تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية، كما خص الدستور الباب التاني بأكمله (الفصول 19 إلى 40 ) للحريات والحقوق الأساسية …..
(يتبع)














