هناك، في العمارات المقابلة لمحطة القطار بالرباط، احتضن مقر النقابة الوطنية للصحافة، صباح الأربعاء 20 ماي 2026 ، ندوة لتقديم التقرير السنوي لحرية الصحافة. تقرير جاء في عشرة فصول، لكن السؤال الذي طرحه الحضور بصمت “أين حرية الصحافة من هذا التقرير؟”.
تقرير يبحث عن هوية
بدأت الندوة بسؤال محوري “من هو الصحفي؟”. سؤال يبدو بسيط، لكنه كشف عن أزمة أعمق. فالتقرير، الذي يفترض أن يدافع عن حرية الصحافة، ركز على الممارسات الصحفية والأجور، متجنبا الخوض في صلب الموضوع، حرية الصحافة.
النقابة، التي من المفترض أن تكون درع للصحفيين، بدت وكأنها تركز على الجانب الشكلي أكثر من الجوهري. فحرية الصحافة، كما يرى مراقبون، تبدأ من حرية اختيار الموضوع، ثم حرية معالجته، وصولا إلى حرية بناء الرأي. لكن التقرير، تجاوز هذه النقاط مرور الكرام.
هل بطاقة الصحافة حماية أم تكميم اقلام؟
أحد أبرز الإشكالات التي أثارها النقاش هو معيار الانتساب لمهنة الصحافة. النقابة شددت على أنها تدافع فقط عن “حاملي بطاقة الصحافة”، متجاهلة بذلك التكوين الأكاديمي والخبرات الميدانية لآلاف الصحفيين.
هذا المعيار، كما وصفه أحد المتدخلين، يحول البطاقة من وثيقة حماية إلى أداة احتكار. ويُستبعد على أساسه صحفيون قضوا سنوات في التدريب الميداني، بينما يُمنح البعض الآخر الصفة الصحفية بناءً على معايير غير واضحة.
صراع الكواليس وغياب الشفافية
أقر رئيس النقابة، خلال الندوة، بأن “ما يدور في الكواليس أكثر بكثير مما يصل من معلومات للناس”. هذا الاعتراف، وإن كان صادماً، يعكس أزمة أعمق تتجلى في غياب الشفافية بتدبير القطاع، وفي آلية منح البطاقة الصحفية، وفي العلاقة بين النقابة والمؤسسات الإعلامية.
الملاحظ أن النقابة، بدلاً من أن تكون جسراً بين الصحفيين والجهات الرسمية، تحولت أحياناً إلى حارس لممر ضبابي، حيث تختلط المصالح وتتداخل الصلاحيات.
تقدم تمثيلية المرأة في الواقع وتجاهل في التقرير
وفي مفارقة صارخة، أشار التقرير إلى صعوبة بلوغ النساء لمنصب رئيس التحرير، بينما الواقع يثبت العكس. المغرب يشهد حضور نسائي قوي في مناصب تحريرية عليا، أبرزها الزميلة نادية المودن، رئيسة تحرير قسم الأخبار بالقناة الأولى.
هذا التجاهل، كما يرى البعض، يعكس فجوة بين ما يعيشه الميدان وما يُكتب في التقارير. وكأن التقرير نسخ ولصق من مصادر دولية، دون مراعاة الخصوصية المحلية.
أجور الصحفيين بين القانون والواقع
تحدث التقرير عن ضرورة تحسين أجور الصحفيين، لكنه تجاهل المفارقات الصارخة. فبينما يتقاضى بعض الصحفيين في المنابر الرسمية أجوراً مرتفعة، يعيش آخرون في القطاع الخاص على أقل من 3000 درهم شهريا، رغم ساعات العمل الطويلة التي قد تتجاوز 16 ساعة يومياً.
مع غياب أي أجر تماما في كثير من المنابر الإلكترونية، دون الحديث عن جديد الصحافة المغربية التي يطلب مدرائها من متدربيها دفع مبالغ شهرية مقابل فترة التدريب.
ومجلات ورقية تطلب من الكتاب الصحفيين والباحثين مبالغ مقابل نشر مقالاتهم. ولا ننسى طبعا مطالبة بعض الصحفيين والمنابر لمبالغ مقابل تغطية المهرجانات، فقط تغطية صحفية لا إشهار.
اللافت أن القانون يحدد أجر أدنى للصحفي المهني بـ 6000 درهم، و للمتدرب ب4000 درهم. لكن الواقع مختلف تماماً، حيث يُصرح بأجور وهمية للضمان الاجتماعي، بينما لا يقبض الصحفيون سوى نصف المبلغ، أو أقل.
ملاحظة! تقرير يحتاج إلى تقرير
ما جرى في ندوة النقابة ليس مجرد عرض لتقرير سنوي، بل مرآة تعكس أزمة أوسع. أزمة هوية، أزمة شفافية، وأزمة ثقة بين الصحفيين والنقابة التي يفترض أن تمثلهم.
التقرير تحدث عن حرية الصحافة، لكنه لم يعشها. تطرق للممارسات، لكنه أهمل الفكر. ناقش الأجور، لكنه تجاهل الكرامة.
ويبقى الأمل في أن لا يكون هذا التقرير وثيقة للمراجعة، بل بداية لمناقشة جادة تعيد الاعتبار لمهنة تعيش، اليوم أكثر من أي وقت مضى، أزمة وجود وثقة.















