في السياسة المغربية، قليلون هم الزعماء الذين استطاعوا أن يتركوا أثراً حقيقياً في الوعي الجماعي للمغاربة، خارج منطق السلطة التقليدية وخارج اللغة الخشبية التي طبعت الحياة الحزبية لعقود.
ومن بين هؤلاء، يبرز اسم عبد الإله بنكيران كواحد من أكثر السياسيين إثارة للجدل، ولكن أيضاً كأحد أكثرهم قدرة على كسر الصمت السياسي ومخاطبة المغاربة بلغة مباشرة وغير مألوفة.
قد نختلف مع بنكيران في كثير من مواقفه وخياراته وخطابه، وقد ننتقد أداء حكومته في ملفات عديدة، لكن من الصعب إنكار أنه شكّل استثناءً داخل المشهد السياسي المغربي.
فمنذ الاستقلال، تعاقبت حكومات كثيرة، لكن أغلبها ظل يشتغل داخل هامش ضيق، يسيّر أكثر مما يقرر، ويحكم دون أن يحكم فعلاً. وهي الحقيقة التي يدركها المغاربة جيداً داخل نظام سياسي يتمتع فيه الملك بموقع محوري في صناعة القرار وتوجيه الدولة.
لهذا بالضبط، يبدو بنكيران مزعجاً بالنسبة لكثيرين. لأنه السياسي الذي قال بصراحة ما يهمس به الآخرون. تحدث عن “التحكم”، وعن اقتصاد الريع، وعن النفوذ الذي يتجاوز المؤسسات المنتخبة.
لم يكن معارضاً للنظام، بل كان جزءاً منه، لكنه حاول ـ بطريقته الخاصة ـ أن يدفع السياسة إلى هامش أوسع من الجرأة والوضوح.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الحملة السياسية والإعلامية التي يتعرض لها هو وحزب العدالة والتنمية. فالرجل لا يُهاجَم فقط بسبب أخطائه، بل أيضاً لأنه نجح في بناء علاقة مباشرة مع فئات واسعة من المغاربة، ولأنه أعاد لفكرة “الزعيم السياسي” بعضاً من معناها المفقود.
لقد كان بنكيران، بعد المقاوم والمناضل الراحل محمد بنسعيد آيت إيدر، من القلائل الذين امتلكوا الجرأة السياسية لانتقاد مراكز النفوذ الحقيقية داخل الدولة، دون أن يسقطوا في خطاب العدمية أو الدعوة إلى الفوضى.
كان يدرك حدود اللعبة السياسية، لكنه حاول اختبار تلك الحدود باستمرار.
وفي المقابل، فإن خصومه يرون فيه شخصية شعبوية تجيد اللعب على العاطفة والدين واللغة البسيطة، ويعتبرون أن تجربته الحكومية لم تكن ناجحة كما يروّج أنصاره، خصوصاً في ملفات اجتماعية واقتصادية حساسة. غير أن المفارقة هي أن كثيراً من الذين ينتقدون بنكيران اليوم، يفعلون ذلك من موقع المقارنة مع حكومة حالية يعتبرها جزء واسع من الرأي العام من أضعف الحكومات سياسياً وتواصلياً، بل ومن أكثرها ارتباطاً بتضارب المصالح والمال والنفوذ.
صحيح أن تحميل أي حكومة مغربية كل أوزار الدولة فيه قدر من التبسيط، لأن بنية النظام السياسي المغربي تجعل السلطة موزعة بشكل معقد، لكن يبقى أن “الأسلوب هو الرجل”، كما قال الراحل الحسن الثاني. وبنكيران امتلك أسلوباً مختلفاً: صدامياً أحياناً، شعبياً، عفوياً، لكنه كان واضحاً ومفهوماً لدى الناس.
لهذا يستمر حضوره، ولهذا أيضاً تستمر محاولات إضعافه. لأن المشكلة في النهاية ليست فقط في حزب سياسي، بل في نموذج سياسي استطاع ـ ولو نسبياً ـ أن يعيد الحيوية إلى النقاش العمومي، وأن يقنع المغاربة بأن السياسة يمكن أن تكون مواجهة حقيقية للكلام المسكوت عنه، لا مجرد إدارة صامتة للتوازنات.















