في السياسة، لا توجد الرموز البريئة بالكامل، خصوصاً عندما تصدر عن مسؤول حكومي يشغل موقعاً حساساً داخل دولة تُعرّف نفسها دستورياً باعتبارها دولة إسلامية، ويترأس ملكها مؤسسة “إمارة المؤمنين”.
لذلك لم يكن ظهور الوزير لحسن السعدي وهو يقدم صليباً كهدية حدثاً عادياً يمكن المرور عليه بخفة، بل تحول سريعاً إلى مادة للنقاش الديني والسياسي والثقافي، وفتح أسئلة أعمق من مجرد “هدية بروتوكولية”.
الصليب، في الوعي المسيحي، ليس مجرد قطعة فنية أو رمز ثقافي، بل هو جوهر العقيدة المسيحية وعلامة الفداء والخلاص.
أما في المرجعية الإسلامية، فالأمر أكثر حساسية، لأن القرآن الكريم ينفي حادثة الصلب بشكل صريح، ما جعل الرمز نفسه محاطاً تاريخياً بحذر فقهي وعقدي.
ولهذا ظل جمهور العلماء يعتبرون تعظيم الصليب أو تقديمه باعتباره رمزاً دينياً أمراً مرفوضاً أو على الأقل شديد الإشكال.
لكن السياسة الحديثة لا تتحرك دائماً بمنطق الفقه التقليدي، بل بمنطق الرسائل والإشارات والتموضعات. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل كان الوزير يقوم بمبادرة مجاملة دبلوماسية عادية، أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى رسالة سياسية محسوبة بدقة؟
لحسن السعدي ليس وزيراً هامشياً. الرجل يتحرك داخل تقاطع شديد الحساسية: وزير مكلف بقطاع يرتبط بالهوية الثقافية المغربية، وفاعل سياسي قريب من دوائر النفوذ الحكومي، كما يتحرك داخل مناخ إقليمي ودولي يعيد صياغة علاقة المغرب بالغرب وبإسرائيل وبالفضاء المسيحي الدولي عموماً.
لذلك يصعب التعامل مع الواقعة باعتبارها مجرد “خطأ بروتوكولي” أو تصرف عفوي.
منذ توقيع اتفاقيات إبراهام، دخل المغرب مرحلة دقيقة تقوم على محاولة التوفيق بين أمرين متناقضين ظاهرياً: الحفاظ على الشرعية الدينية التقليدية للدولة، وفي الوقت نفسه توسيع الشراكات السياسية والاقتصادية مع الغرب والفضاءات المؤثرة دولياً.
داخل هذا السياق، تصبح الرموز ذات حمولة ثقيلة، ويصبح للصورة الواحدة معنى يتجاوز صاحبها.
قد يكون الوزير أراد إرسال رسالة انفتاح حضاري وديني إلى الخارج، مفادها أن المغرب بلد للتسامح والتعايش، لكن المشكلة أن التسامح حين يتحول إلى استعراض رمزي مبالغ فيه، يفقد جزءاً من صدقيته ويتحول إلى مادة للشك والتأويل.
فالتسامح الحقيقي لا يحتاج بالضرورة إلى إعادة تدوير الرموز العقائدية الحساسة، خصوصاً حين يكون صاحب المبادرة مسؤولاً سياسياً يمثل دولة ذات مرجعية دينية واضحة.
هناك أيضاً بعد انتخابي لا يمكن تجاهله. المغرب يعيش عملياً بداية العد العكسي نحو انتخابات 2026، وكل شخصية حكومية بدأت تبحث عن موقعها داخل الخريطة المقبلة.
في هذا النوع من السياقات، يصبح بناء العلاقات الدولية، وإرسال إشارات “الاعتدال والانفتاح”، جزءاً من صناعة الصورة السياسية.
وهنا قد لا يكون الصليب هدية دينية بقدر ما هو “بطاقة عبور” نحو فضاءات النفوذ الغربية والمؤسسات الدولية التي تمنح قيمة كبيرة لخطاب التعايش والانفتاح.
غير أن أكثر ما يثير الانتباه ليس الهدية نفسها، بل الصمت الذي أعقبها. لا المعارضة السياسية دخلت بقوة على الخط، ولا المرجعيات الدينية الرسمية أبدت موقفاً واضحاً، وكأن الجميع اختار المرور السريع على القضية دون فتح نقاش حقيقي حولها.
هذا الصمت بدوره يحمل دلالاته، لأن القضايا المرتبطة بالرموز الدينية في المغرب نادراً ما تمر دون حساسية، إلا إذا كانت هناك رغبة ضمنية في عدم تضخيم الحدث.
المفارقة أن الوزير وجد نفسه في منطقة رمادية شديدة التعقيد: فئة ترى في ما قام به تجسيداً للتسامح والانفتاح، وفئة أخرى تعتبره انزلاقاً رمزياً غير محسوب، خصوصاً في مجتمع ما تزال فيه الرموز الدينية تحمل وزناً كبيراً داخل الوعي الجماعي.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بمحاكمة النوايا، بل بقراءة دلالات الفعل السياسي في بلد يعرف جيداً أن الرموز ليست محايدة.
والسؤال الذي سيبقى مطروحاً: هل كان ما حدث مجرد مجاملة دبلوماسية عابرة، أم أننا أمام محاولة ذكية لإعادة تموقع سياسي جديد تحت شعار “التسامح”؟
الزمن وحده سيكشف إن كان الوزير قد نجح في إرسال الرسالة التي أرادها، أم أنه فتح على نفسه نقاشاً أكبر من الهدية نفسها.















